facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





من غزة إلي عمان: تبرير التراجع عن الديمقراطية


جمال الطاهات
22-06-2007 03:00 AM

الأزمات، وعلي مر التاريخ هي مناجم للفرص. بل هناك من يصر علي أن الأزمات هي فاعلية الخصب في التاريخ. والأزمات تنتج إما عن تطورات ضرورية (وإن كانت مأساوية) أو خيارات إرادات حرة تسعي للحصول علي مكاسب لا يمكن تحقيقها. فالأزمات دائماً تنشأ بشكل متزامن مع المآسي أو مع جنون القوة وسعي طرف من الأطراف أن يحقق ما لا تمنحه إياه اللحظة التاريخية بشكل تلقائي.
ففي الوقت الذي يغرق العالم العربي نفسه بالأسئلة الأيديولوجية حول إذا كان ما جري صحيحاً أو خاطئاً، تبرز رؤي إسرائيلية تبحث عن أفضل السبل لتوظيف الحدث ونتائجه.
في ذروة النشاط الإسرائيلي الباحث عن فرص استثمار ما جري وسيجري، تواجه عمان أحداث غزة بالكثير من التساؤلات حول مستقبل المنظومة الأمنية الأردنية، والمعادلات الاجتماعية السياسية التي حملتها خلال العقود الأربعة الماضية. التساؤلات كان يمكن لها أن تكون مشروعة لو كانت توضع في سياق مقبول وطنياً. ولكن هذه التساؤلات تدور في فلك البحث عن فرص إدانة، والبحث عن فرص للانقضاض علي القليل جداً من المنجز الديمقراطي، وتعويضه دولياً بتقديم بعض التنازلات. فليس هناك أي علامة علي وجود بعض الجدية في الأردن للتعامل مع ما جري في غزة باعتباره مكونا جديدا من مكونات البيئة الإقليمية له انعكاس مباشر علي حلم الدولة وفكرتها. فالحديث كله منصب علي الأمن وعلي التكيف مع المعطيات الدولية الجديدة.
تعلق المعادلات الداخلية الأردنية بعناصر خارجية ليس صفة أردنية فريدة، ولكن الفريد أردنياً شدة وتصاعد حساسية المعادلات الداخلية للمؤثرات الخارجية وبالذات إذا كانت هذه المؤثرات ذات علاقة بالقضية الفلسطينية. وهذا الذي يفسر الخشية من أن يتم تحت ذرائع دعم الأخوة، وفي ظل الاحتفال بصور قوافل الدعم الأردنية للأشقاء في غزة، تمرير وصفات سياسية خاصة. وسوف يكون مقترح الكونفدرالية مجرد دخان لتقدم الخيارات الحقيقية التي توشك علي النضج في المطابخ الخلفية للمشهد السياسي. إذ أن رفض الكونفدرالية (واقتناع بعض المتنفجين بأنهم أسقطوها) سيجعل من الملائم تبليع الرأي العام خطوات كثيرة ما دامت لا تتم تحت لافتة الكونفدرالية. الرأي العام المترهل والضعيف والمرهق، والنخب المأزومة ليست مؤهلة لمواجهة سياسات تعتمد التقدم علي أكثر من مسار. والذي سيجري هو أن النخب والرأي العام (والحمد لله) رفضوا الكونفدرالية، وأي شيء آخر أقل من الكونفدرالية سيتم التواطؤ معه تحت شعار أهون الشرور. وسيزداد معدل استعمال تعبير شعبي بائس( كنا فين وصرنا وين).
وصف أحد دشم عمان الحالة بأنها ما بدها كثرة حكي ، هذا الوصف يشي ويخبر بالكثير. رفض الكلام، أو الاستعانة ببعض الخرسان والصم لمناقشة ما يجري، وهذه بالمناسبة ظاهرة كثيرة التكرار في الأردن، تعني أن خيار الفئة الأكثر نفوذاً قد تبلور، والبحث جار عن صيغ لتنفيذه. إغلاق منصات مناقشة الخيارات الإستراتيجية للدولة (علي اعتبار أنها ما بدها كثرة حكي)، والإصرار علي قصر الحوار ليشمل فقط الطرشان والخرسان، دليل علي مستوي القرار المتخذ، ودليل آخر علي طبيعة ما يتم التفكير به من قبل مراكز النفوذ الرئيسية.
والخيار الذي تريد بعض الدشم زج البلاد فيه له شرط حتي ينجح وهذا الشرط هو التخلي (طوعاً أو كرهاً) عن أي فرصة لبلورة وجهة نظر أو موقف وطني أردني يستند إلي حلم الوطن وحقيقة فكرته. وإذا تمكن هؤلاء من النجاح فإن ما جري في غزة هو خطوة أخري أو حلقة إضافية لنزع فاعلية الدولة والوطن عن الأردن كطرف له رأي ووجهة نظر وهوية. وتكون بذلك غزة هزيمة أخري تساهم بتحويل الأردن إلي مجرد جغرافيا يتم تنفيذ إرادات أخري عبرها. أو في أحسن حالاتها مجرد (طشت غسيل). فما تم مؤخراً من سيادة منطق السمسرة علي الخطاب السياسي يوحي بان البحث جار عن فرص لتأجير الجغرافيا سياسياً للحصول علي فرص لبناء مزيد من الأبراج.
صحيح بشكل مطلق أن الأردن ليس حالة خيانية، ولم يكن يوماً كذلك، ولن يكون. مأساة الأردن كلها نتجت عن إصرار نخبة علي إحلال مصالحهم بديلاً عن متطلبات الوطن، وجعلوا مصالحهم هي معيار حلم الوطن وفكرة الدولة. وما تقدمه اللحظات التاريخية المناسبة (وفي معظم المنعطفات) كان يدار بمنظور نخبة وفهمها لمصالحها، وليس من خلال منظور وطني مبني علي حالة حوار ديمقراطي فعال. محاصرة الأردن من الداخل ومنعه أو حرمانه من التقاط ما تعطيه إياه اللحظة التاريخية المناسبة في كثير من الأحيان لا يمكن تبريره، بأنه مجرد خطأ. فهذا الخطأ يتكرر بشكل منهجي ويكاد يكون حرفياً (نسخة كربونة) منذ عدة عقود. وبعد أن تتم لملمة كل الأوساخ، يترك للأردنيين الغيورين (المتشبعين بحلم الوطن وفكرة الدولة) الدفاع عن الأردن وعن التهم التي توجه له، ومسح ما علق بوجه الجميل من أوساخ، ولملمة الشظايا ومعالجة الجراح التي قد لا تمحي.
أن يقدم الخرسان والطرشان للملك باعتبارهم الفصحاء والمفكرين مؤشر علي الرغبة والنية لأن تفرغ الدولة من عقلها وتقديمها لقمة سائغة للإسرائيليين لينفذوا من خلالها ما يريدون في هذه المرحلة. فمثل هذا الحصار المفروض علي الملك وحصر فرصه بلقاء الطرشان فقط يوحي بأن هناك خطة أو تصورا لحصر الملك ودفعه لخيارات محددة دون أن تعرض هذه الخيارات لحوار وطني حقيقي.
فمن أبرز تجليات ما جري في غزة هو خطاب التخويف الذي يستعمل الآن في عمان لذبح ما تبقي من المرحلة الديمقراطية وتصفيتها. ولا أعتقد أن مجرد تأكيد رئيس الوزراء بأن أحداث غزة غير قابلة للامتداد إلي الأردن ستكون كافية لإسكات تلك الأصوات، وإخراس حناجر (المخرعاتية) أو تهدئة الذين صدقوها. فأحداث غزة قدمت سكينا حادا للبعض ليذبحوا وبشكل علني وتحت تبرير أصبح مقبولاً دولياً كل فرص التحول الديمقراطي في الأردن. إذ أن إنتاج ما جري في غزة باعتباره انقلاباً من قبل الحركة الإسلامية علي البنية المدنية والسياسية للدولة الفلسطينية، هو من أجل تبرير التراجع عن الديمقراطية واستعمال إقصاء كل الإسلاميين مظلة لذبح الديمقراطية. فالحديث عن أن التحول الديمقراطي يتطلب إشراك الإسلاميين في البنية السياسية للدولة في الأردن كان يعتبر موضوعاً منفراً للبعض، ولكنه الآن أصبح موقفاً يستحق من ينادي به الاتهام بأنه انقلابي، أو علي الأقل يدعو إلي سياسة قد تفتح المجال لانقلاب علي مكونات الدولة الأساسية. وحقيقة أن الديمقراطية تقتضي إشراك الإسلاميين سوف تستعمل للتخلص من الديمقراطية، ومن الإسلاميين. فليس المطروح نموذجا ديمقراطيا بلا إسلاميين، بل استعمال الاسلاميين حجة لنسف فكرة الديمقراطية من جذورها. ففي السبعينيات كانت بعض الأصوات الإسلامية تقول ان الديمقراطية حرام. وتم توظيفهم لحرمان كلمة الديمقراطية من الشرعية، واليوم فإنه يتم وبعد التحول التاريخي والبنيوي في طبيعة الحركة الإسلامية إلي خنق الديمقراطية بحجة لها علاقة بالإسلاميين. فقد تم تحويلهم من خطاب ينفي شرعية الديمقراطية إلي مجرد فزاعة تخيف الجميع من الديمقراطية.
بالمقابل فإن الإسلاميين في الأردن يبدون الآن بحالة حصار حقيقي معظم جدران هذا الحصار قائمة بسبب غياب المرونة السياسة والفكرية عندهم. فكما حرقت أحداث غزة مقرات فتح هناك، فإنها سياسياً حرقت كل المواقع والهوامش السابقة للحركة الإسلامية الأردنية وحصرتها علي ضفاف هوامش لا ظلال فيها. المطلوب من الإسلاميين حتي يخرجوا أنفسهم ويخرجونا من النفق الحالي يبدو أنه ليس في المنال. ليس بسبب نوايا الإسلاميين، فهم لديهم نوايا طيبة، ولكن بسبب معوقات موضوعية بعضها متعلق بطبيعة الحركة وآليات عملها، والآخر متعلق باعتراضات مخطط لها لمنعهم من إنجاز عملية التحول. إذ أن تحول الإسلاميين، سيفيد الدولة، ويرسخ النظام، ويعزز المنظومة الأمنية، وينهي العديد من الأسئلة الأيديولوجية المتعلقة بالشرعية، ولكن هذا التحول سيفضح شلل الفساد ويعزلها ويسقط عنها كل أوراق التوت في خريفها الأبدي.
حصر حوارات الدولة مع الخرسان والطرشان من جهة، ومأزق الحركة الإسلامية وعجزها عن الخروج من القفص والتفكير والفعل خارج الصناديق القديمة، تمثلان شدقي كماشة يجر الأردن للتحول إلي مجرد حوض غسيل.
غسيل المراحل والخيارات السياسية، تقنية أصبحت مكشوفة في الشرق الأوسط. وبالعادة يتحول اللاعبون الصغار إلي أحواض غسيل. وعمليات الغسيل التي تتم بالحرب أو بالتجويع، تتم منذ بدايات القرن الماضي. ولكن المعضلة أنها في كل مرة يتم غسل مرحلة، نكتشف أن التاريخ تجاوزها، وأن عملية الغسيل عززت مواقع إسرائيل، وأفقدت الأردن ميزات كان يتمتع بها. وهذا يعني أنه وإن كان العنوان هو عملية غسيل للمرحلة وتهيئة لبعض الخيارات، فإن النتيجة هي ضياع المزيد من الفرص، واستمرار الانزلاق في طريق قد تؤدي إلي ضياع للأردن كما ضاعت فلسطين. فأهم خط دفاع عن الأردن هو مواجهة كل الخطط الرامية لتحويل الخسارة العسكرية للضفة الغربية إلي فقدان سياسي نهائي.
والشيء الوحيد المؤكد (في حال استمر المشهد السياسي في عمان علي حاله الراهنة) أنه لن تتبلور مشاريع سياسية أردنية تنطلق من حلم الوطن وفكرة الدولة. فحوارات الطرشان الراهنة تغيب بشكل مطلق كل فرصة لبلورة مشروع سياسي وطني أردني حقيقي. والبديل المطلوب الآن مشروع وطني فعال يستطيع أن يحول ورشات اللطم والندب المفتوحة الآن عند كل الأطراف، إلي ورشات حقيقية للبحث في مناجم الفرص التي أتاحتها الأزمات القليلة الماضية وتلك التي ستهل عما قريب. وإذا لم يكن ذلك من اجل تحقيق مكاسب للأردن، فعلي الأقل لمنع إسرائيل من تحقيق مكاسب علي حساب مستقبل الشعبين الأردني والفلسطيني. فالفرص المتاحة لإسرائيل هي تحديات ومخاطر علينا مواجهتها.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :