facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





تهيئة الفكر لصعود الحرية .. (4)

جياد آدم
08-07-2007 03:00 AM

في التوظيف الاستبدادي للغة :يُمكن وصف الاستبداد أو تشبيهه بالآلة من حيث هو نسق أو سياق متكامل يعيد إنتاج ذاته ومنظومة القيم التي تخدمه وتديمه ويعمل على تكريسها وإدامتها بما يتضمنه ذلك من مناوأة وإضعاف لأضدادها وبشكل تلقائي ودائب كأنه آلة ..

وهو وصف مقصود للتعبير عن أن الاستبداد يعمل كما الآلة .. ويفعل فعله في الأشياء ومن ضمنها الناس والعقل والتفكير بصورة أوتوماتيكية وبمعزل ليس عن إرادة الناس أنفسهم بل وحتى عن إرادة القائمين على تلك الآلة ومشغليها.. تماما كالآلة عندما تديرها تتحرك بمعزل عن إرادتك ووفقا لقوانين خاصة بها صممت لتعمل وفقا لها .. فالمحرك أو المولد مثلا يفعل فعله في مزيج الاحتراق وينتج ما صمم له فإما ينتج الحركة إن كان محركا أو ينتج الطاقة إن كان توربينا أو مولدا وهكذا.

إنه نظام متكامل ويعمل كنسق ينتج فعل الاستبداد ليس كنظام كحكم وإدارة فقط .... بل كطريقة حياة لها أنساقها وفعلها في كل جزئية من حياة الناس بحيث يصطبغ كل شيء بصبغتها .. فهي ليس فقط تنتج ما صممت لإنتاجه بل وفي طريقها أيضا تنتج ما صممت للتغذي عليه من أجل الاستمرار في عملها وإنتاج ما تنتج .. والآلة قلنا لا تستثني صانعها أو مشغلها من قوانينها فصانع السيارة أو مستخدمها سيان عندما يكون بداخلها سواء كقائد أو كراكب.. ويكون ذات المستبد أو رأس هرم الاستبداد خاضعا لتلك الآلة محكوما لعملها بل هو أول من يتلقى ضرباتها لكن ثمة ما يجعل تأثيرها عليه بالمقابل محتملا أكثر من سواه.. ويكمن سبب ذلك في كونه المنتفع الأول منها لذا يعادل ويلاشي عنده نفعُها ضررها ..بل ويرجح عليه .. بخلاف الضرر الذي يتكبده الناس من غير عزاء . وأعطينا لذلك مثلا كسارة أو (بابور الزلط ) .. فصاحبه ومشغله يصيبه الغبار والضوضاء لكن لأنه مستفيد منه فهو يحس بذلك الضجيج كأنه موسيقى في أذنيه..

وآلة لاستبداد في هذه الحالة أشبه ببوابة كل شيء يمر من خلالها وتدمغه بدمغتها فيكون كل شيء استبداديا بامتياز :

فالفكر .. والأخلاق والأعراف ..والقيم .. والدين..والثقافة .. والعلوم .. والاقتصاد ......الخ ،
بل والزمان أيضا .. فقد اعتاد القدماء مثلا في ثقافتهم وأدبياتهم أن يضيفوا الزمان للسلطان .. وينادونه "يا صاحب الزمان" .. ومن الأقوال لديهم " إذا تغير السلطان تغير الزمان " .

وكذلك المكان: فقد اعتادوا أن يقولوا مثلا سيف الدولة صاحب حلب .. أو حلب سيف الدولة ومصر كافور وهكذا.....الخ.

ومن الأشياء ذات التأثير العميق والبعيد الأثر التي تمر من تحت تلك القنطرة فيدمغها الاستبداد بدمغته وتوظف استبداديا هي اللغة والنصوص.

ولا نبالغ لو قلنا أن الإنسان من حيث العقل وطريقة التفكير هو على نحو ما يقل أو يكثر ابن للغته وتجل من تجلياتها .. لكن بنفس القدر فاللغة أيضا بنت إنسانها وتجل من تجلياته في جدلية متبادلة بينهما .. بحيث ينعكس تراكميا كل ما لدى الآخر على الآخر..فبانحطاط اللغة ينحط التفكير وبدوره حينما ينحط التفكير يودي لأن تنحط اللغة ..فتحرص آلة الاستبداد على إنتاج نص ولغة مظلمة مفترية من شأنها أن :

- أولا تمجد المستبد وآلته وتفتري على الحق وتجتري على الحقيقة بكل دم بارد .. وفي نصوص مدونة تشهد على ذلك الافتراء بلا حياء ! فالتاريخ يزور والفقه يروض والثقافة تدجن وكله لكي ينتج منها خلاصة وعصيرا يصلح وقودا لكي تستهلكه تلك الآلة المتوحشة وتستمر في الحياة.

- وبالمقابل تحقر تلك الآلة كل من لا يمجدها وتسعى لعزله وإقصائه وتنعته بنعوت منفرة بشكل مبرمج .. فهو الحسود والحقود والطامع والخارجي والمتآمر وعدو الله –وكأن المستبد هو الله -....الخ من نعوت. فتضمحل بذلك وتذوي لغة الحقيقة والصدق ونصوص العقل والفكر الرصين لتسود نصوص ولغة الفجاجة والقبح.

وهكذا لغة مبرمجة بصورة مدروسة وغير مدروسة من شانها أن تفعل فعلها في نفوس الناس فتميت فيهم أي ميل لاحترام الحقيقة واحترام الذات .. وتسمية الأشياء بمسمياتها وصف الأشياء ومن ضمنها الاستبداد ذاته بما هو أهل له .. لأن هناك سياق عام طاغ كالسيل الهادر كله ينصب في ذلك الاتجاه الممجد لتلك الآلة الشوهاء المتوحشة وإلقاء ظلال على ما سواها سيما ما يخالفها .

والإنسان بطبعه كما تعرفون لديه غريزة إكرام الذات والميل لصونها عن الإهانة والضعة..حتى ولو كان التزامه بالحق هو ما سيسبب له ذلك ربما تخلى عن قول الحق حتى يحفظ نفسه من الإهانة ويصونها عن التحقير.

فتنتج من كل ذلك أنفسا وأناسا بجينات خاصة متوافقة مع هذه اللغة الشوهاء الناسفة لأي تطلع للحرية والأنفة والكبرياء الوطني والحمية والمروءة لدى شعب من الشعوب..وتفتك بهذه المعاني في نفوس الناس وتسعى لقتلها وطمس صورتها من الأنفس. وتناوئ من يتصف بها أو يتطلع لاقتنائها .

فيعيد الناس بدورهم إنتاج ذات اللغة التي تتجنب أي إشارة لذم الاستبداد والمستبد في حين يغالون في ما يتساوق مع النسق الاستبدادي من نصوص وأقوال وأمثال وحكم بل وحتى آيات وأحاديث تمجد المستبد وتنفي عنه أي شائبة حتى أنك لتجد الآية الكريمة جارة الآية ولصقها ..هذه مشهورة جدا تتداولها الألسن ويجتهد في التفنن في معانيها المفسرون وتلك لا تكاد تسمع بها لان الأولى يمكن تأويلها في الاحتجاج للمستبد وتثبيت أركانه أما الثانية فليست كذلك مع أنهما جارتان والثانية هي جزء من تفسير الأولى لكن تنتزع الأولى من السياق لتغدو وكأنها القرآن كله تماما مثل من يقول ولا تقربوا الصلاة ..!!

وهكذا ينحط الإنسان باللغة وتنحط اللغة بالإنسان في تراكمية مستمرة مثل اثنين تصارعا على حافة منحدر فانطرحا أرضا فكل واحد يشقلب صاحبه مرة .. وكل منهما في الواقع ينحدر بنفسه والآخر إلى سحيق من ذلك المنحدر.

وإذا استعرضنا الأطنان الهائلة من النصوص العربية ونحن امة تعبد النص وتتعبد بالنص لوجدنا ما إن لتنوء به العصبة أولى العزم من النماذج والأمثلة لما أقول .. وهذه أمثلة عابرة لألسن وعقول شوهتها آلة الاستبداد فراحت تهذي بما لم تكن لتعقله أو تقوله لو رفع عن رقابها ذلك النير الثقيل البغيض..اسمعوا:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار!!!
أو:

أتته الخلافة منقادة ... إليه تجــرر أذيالــها
فلم تك تصلح إلا لهُ... ولم يكُ يصلح إلا لها!!

وهذه نماذج عابرة وغيض من فيض من أطنان وأطنان كلها نصوص خادعة ومفترية ومجترئة على الحقيقة في تأليه وتمجيد السلطة وكأنما هي قدر قدره الله على الناس وليست إدارة من اختيارهم لخدمتهم وحراسة الوطن ومكتسباته وتقسيمها عليهم بالعدل..وهي تحت سلطة مراقبتهم ومحاسبتهم بقدر اكبر مما هم تحت سلطتها ومحاسبتها.

فعندما يسمع الإنسان العادي من الفقيه أو الشاعر كمثال كونهما هنا من منتجي النصوص وكانا ذوي رتبة متقدمة في المجتمع وطليعة فكرية وثقافية وبما للشعر ذاته كنص أيضا من سطوة في امة العرب التي تتعبد لله بالنص .. عندما يسمعه يقول للمستبد فاحكم فأنت الواحد القهار فانه سيخَطئُ نفسه إذا كان يرى غير ذلك .. ويلوذ بالصمت قائلا فيما بينه وبين نفسه:

إذا كان هؤلاء (منتجي النصوص ) يرون في السلطان كل هذا فماذا أكون أنا لكي أرى فيه غير ما يرى الفقيه أو الشاعر أو .. الخ.

وهكذا سيلوذ بالصمت ويسكت.. وإذا عنده قول آخر ورأي مغاير يخفيه ويحتفظ به لنفسه في البداية ثم ينكره على نفسه في المنتصف ثم ما يلبث أن ينساه وينقلب ضده بفعل سيكولوجي معروف وهو أن الإنسان مع الوقت يتخلى عما لا يمكنه إظهاره واستخدامه والانتفاع به ويستبدله بما يمكنه استخدامه.

وحيث أن رأيه في المستبد هو مما لا يمكن له استخدامه وإذا استخدمه فلن ينتفع به بل على العكس ربما يشعر انه سيؤذيه سيتحول سيكولوجيا إلى الرأي المضاد وهو التساوق مع اللغة الاستبدادية وإعادة إنتاجها كما في نص الشاعر السابق.

وهكذا ترون كيف يوظف الاستبداد حتى اللغة والكلمات التي هي بدورها لها تأثيرها وسلطتها على الفكر والنفس فيتشوه كل من الإنسان والفكر وينحط كل منهما بالآخر في جدلية تراكمية متواصلة .

وهذا هو سبب مهم من أسباب انحطاط الفكر والإبداع في الأمم المستبدة سيما منها ذلك النمط الاستبدادي الذي توظف فيه اللغة والفكر في خدمة آلة الاستبداد وسدنتها ولنسج نصوص في تمجيدهم وتسويغ استبدادهم لا غير بينما تحارب أية أفكار أو نصوص تحترم الحقيقة وتضع الفكر والكلمة بمكانها الصحيح.

http://blacksteed.jeeran.com/reform/
jeaad@yahoo.com




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :