facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





في رحيل صفصافة


خالد محادين
15-07-2007 03:00 AM

صباح اليوم السابع من الشهر السابع من العام السابع، وربما كانت الساعة السابعة تماما، تسلل الدكتور انور حدادين من بين كل اشجار الغابة صفصافة اختارت لرحيلها الموعد الذي حددته لا الموعد الذي كان للحياة ان تحدده كي يمضي عنها وعنا.انها محاولة شجاعة للانتصار على الموت بالانتصار للحياة كأن الانتصار للحياة اكثر او اقل شجاعة من الانتصار للموت، رفع اصبعيه اشارة للنصر، وابتسم وهو يختار ثقبا في القلب تنفذ منه الحياة راحة لجسد اتعبه المرض، ودفع به الى الاعتقاد ان على المرء الا يجلس في انتظار عربة نقل الموتى، اذ يجب عليه ان يوقفها وهي تمر من تحت نافذته ويطلب من سائقها لحظة لوضع العطر بين اصابعه وخلف اذنيه ، قبل ان يأخذ مكانه في العربة.

مدن كثيرة مرت امامه وهو يجلس في انتظار ان ينام الاخرون، حتى يجعل من رحيله شيئا اخر مختلفا عن الانتظار ومدن كثيرة ذهب اليها مستندا الى جسد لم تتعبه الحياة وان اتعبته ايامها ولياليها ، تلك الليلة الاخيرة كان (انور) يغادر عمان الى بغداد، ويغادر عمان الى القدس ويغادر عمان الى مادبا ويغادر عمان الى الكرك، دون ان يغادر سريره، بدا وهو ينتظر ان يجلس وحيداً، مثل عاشق عربي ظلت العواصم القاسية تسرق عاما كل لحظة من عمره، ولكنه لم ينحن، وعندما تأكد انه بات وحيدا وراء باب غرفته، دعا الى قهوته كل هذه العواصم ليعاتبها، حتى اذا التفت حول سريره، لم يجد كلمة عتاب واحدة، فراح يقبل الحزن القومي الذي يحاصرنا دون ان ينتزع منا عشقنا.

لم أزره مريضا، ولم اقف امام صفصافة نقائه وانتمائه وصدقه، وحتي لو عرفت انه كان يحاول ان يهزم الموت بالحياة او ان يهزم الحياة بالشموخ، فلم يكن في وسعي ان اذهب اليه واجلس معه واقرأ في عينيه كما يقرأ في عيني هذا الزمن العربي الموجع، وعندما حمله الاصدقاء والرفاق فوق اكتافهم لم اكن هناك اذ لم يكن في وسعي ان اكون هناك، حتى اذا رحل حملت جسدي على جسدي وتوجهت نحو (دابوق) معتذرا عن حضوري متأخرا، قلت في الطريق الى بيت العزاء، لو انني التقيت به قبل رحيله فهل كان في وسعي ان اقنعه بانتظار آخر دقائق العمر كي يمضي؟ وقلت للدكتور منذر حدادين ضاحكا، هذه الحياة غريبة، فربما لو ان (انور) لم يفعل ما فعل لكان يجلس مكاني بعد شهر وكنت اجلس مكانه بعد شهور.

لن تهزمنا الحياة بكل ضجيجها وسيوفها وبكل رياحها وامطارها وبكل كتائب الاعداء وكتائب الاحقاد، واولى بنا الا نسمح للموت بأن يهزمنا، فحقنا في آخر دقيقة من العمر في حجم حقننا في كل العمر، على روح انور السلام، الذي لم يكن لنا قبل ان نرحل دون ان نرفع يداً للوداع.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :