facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





مرسيدس


احمد حسن الزعبي
22-11-2010 02:35 AM

توقُّعنا لا سواه، هو الذي حفّزنا على الجلوس في باب الدار منتظرين عودتهم بعد منتصف الليل، أغصان السروّ اليانعة مشبوكة جيداً على برواز البوابة يتخللها ورق ليمون وأذرع طويلة من «المدّيد» ..

قد يصلون الآن قال أوسطنا ورفع ساقه اليمنى على حجر لتتعامد مع فخذه!! ربما!! قلناها بطرق مختلفة... لا وسيلة اتصال تطمئننا عليهم، ولا دليل على قرب حضورهم غير دليل القلب..

حسبنا الساعات على أصابعنا بناء على معلومات وردتنا من ذوي خبرة، فمنذ الصباح ذهب أفصحنا لساناً الى جارة قريبة أدت الحجّ قبل عامين..سألها : خالة..متى يطلع الحجاج من مكّة؟..قالت :مثل هذا الوقت!! لم تكن اجابتها شافية ..لكنها كفيلة ان تلهي المشتاق قليلاً عن شوقه..بعيد العشاء حفّزنا أفصحنا لساناً ثانية ان يسأل نفس الجارة..ذهب، طرق الباب على استحياء ولأنه صبي فتحت له الباب، فسألها : خالة..فرضاَ لو خرجوا في مثل ذلك الوقت..فمتى سيصلون؟ قالت : في مثل هذا الوقت!!..ثم أغلقت الباب ..نعس أصغرنا،حاولنا جميعاً طرد النعاس عن عينيه باللعب والتشجيع، أمال رأسه قليلاً وبقي يتابع أضواء السيارات التي لا تنقطع..كان يرتدي لباس العيد، في حركة لا تخلو من اللؤم منّا كي نظهر للأم العائدة أن أصغرنا معتنى به أيما عناية..

مضى الوقت بطيئاً، غفا السرو على البوابة واغلق ورق الليمون جفنه قليلاً، بدأ الشارع يتثاقل بحركة المارّين والمركبات .. كل سيارات المرسيدس التي تمرّ من أمام بيتنا متشابهة، لكنها لا تحمل حجّاجنا ..صمتنا، لم نعد نتوقّع أو نتراهن، خفتت جذوة اللهفة..نام الصغير..أطفأ الجيران ضوءهم الذي كنا نستأنس به..فسادت العتمة...قررّنا الدخول ..فلا شيء يدعونا لأن ننتظر أكثر!!...قال أفصحنا لساناً «هه في سيارة»..تقدّم الينا من بعيد ضوء أصفر مستدير، بدأت تقترب..اتضحت معالمها سيارة مرسيدس 190.. تحمل حقائب وأمتعة كثيرة مثل عجوز متعبة....بالفعل لقد أتوا!!!!..لا أدري كيف كان اللقاء، لكنه يشبه موجة داهمت مبتدئاً في السباحة..شهيق وملح في العيون وبكاء وضحك وخوف وشوق.. وكل شيء..

كانت رائحتهم سفرا، وثيابهم احرام محبّة، وضحكاتهم طواف افاضة..تكوّرت قرب أبي المتعب حتى الفجر، رأيته «عبدالله غيث» في فيلم الرسالة، كم كان يشبهه ويشبه صلابته..قبلت يده المالحة ونمت تحتها..

في الصباح فتحت أمي حقائب الهدايا ..اخرجت خاتماً فضياً واسعاً محفورا عليه كلمة «مكة المكرّمة» وثوباً ابيض على مقاسي، وطاقية مقصّبة...ثم اخرجت «كاميرا» حمراء محشوة بصور ثابتة لشعائر الحج...لا زلت الى اللحظة أضع عيني على عدستها وأرى من خلالها شعائر الدنيا كلها...

***

كلما عاد الحجيج في مثل هذا الوقت ..تذكرت وجه أبي، ورائحة فرش الــ 190 المشبع بالبنزين غير الناضج، وقلادة القطين التي عادت مع الحقيبة، والمسبحة العسلية التي تركها ورحل..

***

كلما عاد الحجيج في مثل هذا الوقت، أحرمت ببراءة طفولتي ..وهرولت بين صفا «العمر» ومروة «الذكريات» سبعة أشواق كاملات..


(الرأي)




  • 1 22-11-2010 | 04:50 AM

    أكثر من هيك

  • 2 22-11-2010 | 07:02 AM

    فجرت الدموع من عيني يا احمد الزعبي .. مقالك يقول ما اشعر به و لا استطيع قوله

  • 3 معاذ الفاعوري\سيدني 22-11-2010 | 07:12 AM

    والله انك شيخ ابن شيخ... يا اخي والله بحب كتاباتك و انتظر لقائك

  • 4 ميس 22-11-2010 | 10:33 AM

    أحمد شكرا

  • 5 مشكور 22-11-2010 | 10:42 AM

    اشهد بالله انك مبدع
    مقال جميل جدا
    تفاصيل ادبية رائعة

  • 6 مرعي 22-11-2010 | 11:48 AM

    ابدعت

  • 7 محمد حسين أبو جاموس الدعجة 22-11-2010 | 12:25 PM

    أبدعت . . .
    وتقبل الله الطاعات من حجيج بيته ، فعلاً يا أستاذ أحمد، جعلتنا نذكر البهجة والهيبة والطيبة والإخلاص الذي كان يرافق موكب العتقاء بإذن الله.
    شكراً جزيلاً لمداد قلمك الأصيل.

  • 8 زيد الدويري 22-11-2010 | 02:14 PM

    اعدت بنا قطار الذكريات الى الايام الخوالي رحم الله والدك

  • 9 رنا 22-11-2010 | 02:30 PM

    تحية كبيرة لك ولقلمك الذي يبدع دائما",يالها من ذكريات مخلدة في قلوبنا نحن لها نشتاق ونتوق لو تعود لبرهةنشتم رأئحتهاالعطرة

  • 10 خصاونه 22-11-2010 | 04:05 PM

    رحم الله والدك و جميع موتى المسلمين وحج مبرور وسعي مشكور لجميع الحجاج و ابدعت يا سيد احمد

  • 11 عليان حمد 22-11-2010 | 05:22 PM

    والله ابدعت يا استاذ احمد وكأنك تتكلم عن نفس مشاعري

  • 12 اة ياوطن 22-11-2010 | 08:43 PM

    رحم اللة والدك, انك رائع ياستاذ احمد

  • 13 22-11-2010 | 08:50 PM

    المرسيدس صناعة المانية

  • 14 Um3ala2 22-11-2010 | 10:21 PM

    لقد ابكيتني وذكرتني بوالدي رحمهما الله......مقالة راااائعة

  • 15 22-11-2010 | 10:21 PM

    الله يحفظك ما اروعك

  • 16 د. بكر ذنيبات 23-11-2010 | 02:24 AM

    امتعت وستمتعت

  • 17 لبنى 28-11-2010 | 11:48 AM

    مقال رائع وليس بالغريب عليك يا استاذ احمد


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :