facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





وطن كالقلب بين النهر والبحر


عبد الأمير الركابي*
06-08-2007 03:00 AM

خص المفكر العراقي الكبير الأستاذ عبد الأمير الركابي ، "عمون" ، بمقالته الرائعة حول الكاتب الأردني الراحل غالب هلسا ، بمناسبة منح ذكراه جائزة الدولة التقديرية .. وفيما يلي نصها :

******** (( ان رجال الامبراطورية الجدد هم اولئك الذين يؤمنون ببدايات طازجة ، بفصول جديدة ، وصفحات جديدة ، انني لأتابع مصارعة القصة القديمة ، آملا أن تجلو لي، قبل ان تنتهي، اعتقادي بانها جديرة بتكلف المشقة )) ـ دجي . ام . كوتزي ـ في انتظار البرابره ـ

(( كان الصمت من الأمر ، وعنه ، هو العرف السائد يومها . بعض تلك الصموتات كانت تكسر، وبعضها تُصان من قبل مؤلفين عاشوا بستراتيجيات الحراسة الشرطية وفيها ، اما مايثير اهتمامي فهو استراتيجيات كسر ذلك الصمت )) ـ توني موريسون : اللعب في الظلام ـ

ماوراء الموت ، بل ارادوا حتما التعاطي مع الحاضر والحاضرين ، الدولة ....ياللعجب !!!... ـ في الأردن فلقد ضمنوا القرار نصا يقول : "لقد كان عضوا في الحزب الشوعي الاردني " وزادوا فقالوا : "وقد توفي في المنفى" وهذا ليس اقل من اعتراف علني ورسمي بتيار ، واعتذار عن زمن طويل من الملاحقة والقمع ، رغبة في قتل الشجرة الحمراء ، وذلك يكفي حتى يكون شطر اليسار الاردني ، الوفي لغالب وذكراه ، قد تحسس معنى التحية الموجهه اليه ، وكانه سمع من يقول له"انت منذ اليوم " ، حاضر ، ومعترف لك وبك : تقدم .
لست في عمان ، ومن بعيد ، يكون على المرء وهو يسمع خبرا من هذا القبيل ان ينصت لاعماقه ويسأل ، هل يتحول اليسار الى سلعه ، لقد نم موقف الدولة الاردنيه والحالة هذه ، عن ذكاء غير عادي ، ولاح في الافق مايمكن اعتباره نوعا من تقصد محسوب غالبا مايثير الشك ، فالاشياء التي تبعث لتكرم باثر رجعي ، لامدخل لها افضل من الجماليات ذات الدلالة ، واذا كان الامر كذلك ، فمن الطبيعي والعادل ، ان نفتش داخل مؤسسات الدولة الاردنيه ، عن الشخص الذي يتمتع بكل هذه الحساسيه الذكيه، بحيث تسنى له اختلاق مزاج ، وتداخل بقوة ، وبلا "مغثة" ، مع روح الجو اليساري والثقافي الابداعي الاردني ، فمنحه حلما كانه نسمة صيف ، من تلك التي تحسسها "غالب هلسا" في امسيات بغداد قديما ، حين كتب "الضحك " اولى رواياته التي لاتنسى ، وأول تصوير وتجسيد حي ، لمدينة العذابات يوم كانت حية ، ومتوثبه ، وقانعه بمصيرها الجنوني ، بغداد الخمسينات ، التي من حسن الحظ انه عاد اليها في الثمانينات ، ليكتب عن وجوهها الثلاث (المقصود روايته "ثلاثة وجوه لبغداد " طبعا ) .
في انتخابات رابطة الكتاب ، قبل صدور قرار تكريم غالب بايام ، اجترح اليساريون الفرحون انفسهم ، ماثرة لم تكن الدولة حاضرة فيها ، فازوا في انتخابات رابطة الكتاب الاردنيين ، فوزا باهرا ، بعد ثلاث دورات متتاليه ، ظل تجمع آخر يتلاقفها ويحقق الفوز ، فوز "قائمة القدس" بدا وكانه مفاجأة لمن حققوه ، بالضبط مثل مفاجأة تكريم الدولة لغالب ، بعض الاصدقاء من معسكر الفائزين ، اتصلوا بي من الاردن والفرحة تنط من اصواتهم ، فتذكرت زمنا قديما ، كتب لي فيه احد
رفاق غالب هلسا واصدقاؤه ، فرحون : لم يتلقوا، حسب، اعترافا بواحد من فرسانهم ومبدعيهم الكبار ، بل وصلهم ايضا نوع فريد من "الاعتراف" او من "اعادة الاعتبار" ، فمن اصدروا قرار منح ذكرى غالب هلسا ، جائزة الدولة التقديريةـ ، عبروا الى الماضلين وانا في السجن وهو خارجه فقال : " انا مثل من تمطر الدنيا على راسه دنانيرهل يمكن ان يحدث هذا لثوري بحيث تصبح اعطيات الحياة اكبر من قدرته على الاحاطه " واليوم ليس هو الزمن الذي يتلقى اليسار فيه "امطارا" ، الا في الاردن ، والى "معين" مدينة غالب هلسا ، اكتشف هؤلاء ، ان الطريق لابد ان ياخذهم ، فالمكان الذي يرمز لوجود ومنشا غالب ، قد يكون هو الاقدر على استيعاب الاعطيات المباغتة ، التي تاتي تباعا ، انهم يتوجهون الى مجال "مقفل" ومنسي منذ سنين .."بيت غالب " يريدون احياءه ، وتحويله الى "متحف" ، فكانهم يقولون ان المتاحف هي ايضا شواهد قادرة على النطق .
لماذا ينبغي لغالب هلسا ان يكرم "اردنيا" ؟ ، الذين سيتابعون مسيرة غالب وخارطة ابداعه ، عليهم ان يكتشفوا المبررات او "الاعذار" ، التي تجعل من المحتم على الدولة الاردنيه ، تكريم الرجل ، باعتباره احد خالقيها ، وموجدي ركائزها غير المتوقعين ، وغير المنتظرين اطلاقا ، في "الضحك" يرسم غالب هلسا منذ انطلاقته الاولى ، نطاقا "اردنيا" هو حبز يساري لوطنيه اردنيه غيرمتفق على ملامح قدسيتها الضائعه ، لقد ظل "الاردن " انجازا مشوبا بقهر "القدسيات " المحيطة والقريبة والمتداخلة معه ، والقاهرة لوجوده المستقل الواضح ، (القدسيه الفلسطينيه خصوصا ) ، وافضل ماكان يتحقق على هذا الصعيد ، دفع ثمنه مضاعفا من الناحية العمليه ، ولم تتوازن مع ذلك ، نتائجه الظاهرة للملأ، مع ضخامة الجهد المبذول من اجله ، وعمل الملك "حسين" الجبارعلى طوله وضخامته ، ظل يمتزج بمفهوم محلي ، لايخلو من "الضيق " ، وبحاجه الى ازمان من التوضيحات ومن التاريخ ، قبل ان يتم الفصل بينه وبين الغيوم التي تكسف شمسه ، كلما ارادت ، او حاولت ان تطل ، والشيء الوحيد الذي يمكن ان يبرر مثل هذا المسار ، هو ابعد من مجرد اشتغال لمروحة المصادفات كما يقول لنين ، ففي قلب القضية التي يمكن تسميتها ب"القضية الوطنيه الاردنيه " ، كان هنالك ثمن ينبغي دفعه ، وصبر كبير يجب التحلي به ، فالدول تبنى في كثير من الاحوال ،لابل هي تبني عادة ، عبر كوارث ومصاعب هائله ، المهم في كل تجربة من هذا القبيل ، هو اذا كانت البلاد التي تطمح لوضع اسمها بين خارطة الحاضرين ، تملك قدرا ما من الحيوية المبدعه ، ومن الاصرار الذي يتيح لها معانقة التاريخ والمستقبل ، أو لا .
بين النيل وارض الرافدين ، يخطو غالب في "الضحك" ليرسم حدودا وسيرة وطنيه اردنيه ، وحين تقرا "الضحك" وتنظر الى بغداد والقاهرة ، لايمكن لك الا ان تعنى بهذا القدر من الانتماء الابداعي للمكان ، الذي هو من الناحيه الافتراضية ، ليس مكان الكاتب ، لقد خلق لبغداد صورة حميمه وحيه ، لم يستطع رسمها حتى اكبر كتاب الرواية العراقية ، امثال التكرلي وغائب طعمه فرمان ، ولم اجد تلك النغمة الحميمه التي ميزت غالب ، الا في رواية كتبها فائزالزبيدي بعنوان "السدرة تزهر مرتين" ـ هو الاخر يساري وشيوعي ـ ، ففي هذا العمل ، يلتصق زفت الارض صيفا ، باقدام المارة ، فنشم رائحته في الكلمات ، وتلتهب الافاق فتعطي الاشجار الصامته سرها للنهرالخالد ، ولدى غالب ، تنهض بغداد ، وروائح الطرشي والرشاد ، والأكل ، والبنات ، مشحونه ، مصطرعة مع نفسها ، وحيه . هل رسم غالب وقتها حدوده ، ام حدود بغداد والقاهرة ؟ لندع الاحاديات ، المستمدة من منظورات وتخطيطات الفكرالنمطي والتنميطي السائد منذ عقود طويله ، فغالب يقفز منذ ذلك الوقت ، بعيدا عن المشرحة القديمه ، لقد عاش بكل جوارحه فلسطينيا في بيروت ، وغادر ليمتحن لحظة مابعد الاجتياح الاسرائيلي ، مع جمع المطرودين من "دولة الفاكهاني" الى دمشق ، فكان في قلب بلاده ورسولها بين الضائغين ، وكتب عن بغداد مرة اخرى ، وعن فلسطين ولبنان ، مواصلا امانته واعترافه الذي لم يفهم في حينه ، لماكان يراه كينونته ، و "حدوده " كاردني ، فالانهاروالبحر بحسب غالب ، هي حدود ونطاق التلة التي هي الاردن ، هي قلبها الذي ينبض داخلها بحيويه وصدق ، يزاحمان حتى حب اهلها لها.
يقرا غالب هلسا ، كاحد اهم مؤسسي اسطورة الاردن ،التي لاتشبهها كما لا تشبهه هو اية اسطورة اخرى ، ولقد كان قادرا لوحده على ان يبدأ تشكيل اساس "قدسيته" من تمخضات هذا العالم ، جاعلا من بلاده ، "هضبة حدودها وقلبها البحروالانهار" وفقط بهذا المعنى "الوطني الحميم " والطامح لان يغدو قلب محيطه ، يمكن ان نفهم ابداعية غالب ، ونستوعب عظمة ماقد انجزه قبل ان نميط اللثام عن سره ، وعن سر هذا "اليسار" الوطني ، الذي انتهى الى حفرصورة للبلاد ، لم يكن لاحد ان يرسمها سواه ، وبغض النظر عن "الجهود العملية" الكبرى البارعه والمضنيه ، لرجال اردنيين كثر اصروا على تكريس ملامح الاردن ، اليوم ينحو الاردن مع اليسار ، وذكرى غالب هلسا ، منحى آخر، يفتح الباب في زمن تكسر الوطنيات ، الى نمو وطنيه ، لهاقلب ابعد من كل الطوائف والجهات ، فالمدى الذي يوصل بغداد بالقاهرة بكل ساحل الشام وفلسطين ، هو سيرة حية لرجل ومبدع ومنتم عرف اين يضع خطاه . بينما هو يرسم حدود وطنه ويوغل فيصر على غرسها في الافاق ، وبعد هذا كله فليس سوى الركون الى قوة "الحس" ، يمكن ان يفسر لماذا تم الاقدام على هذه الخطوة ، وكأن من قرروها ارادوا الدفاع عن الذات ، باطلاق روح ، اصبحت الان اساسا للوجود وللبقاء وسط العاصفة .
يسار يشكل صورة واساس قدسية "وطنيه" !!!مفقودة ، ومعاشة وسط الشكوك ، هذا ممكن كما هو ماثل امامنا اليوم ، وبمرور الزمن ، هانحن نعثرعلى جوهرة مفقوده ، ويتدخل التاريخ ليجعل من الرؤية اليسارية المبدعه ، مجال تحقق وطني لبلاد كانت تبحث بصمت عن صورتها ، وهذا المنطق هو ماكان يفهم من مسار غالب هلسا الابداعي والشخصي ، بغض النظر عن انتمائة او عن سياسات الجهه التي ينتمي اليها ، وابدع في رحابها . فبهذا الاكتشاف "الوطني " المبدع لغالب هلسا ، يفهم ايضا بعض ماتركه او ماحققه اليسار في المنطقة ، خارج ترسيمات عمل الاحزاب والسياسيه المباشره ، ومع لحظة التهيؤلدخول الطور الثاني من تاريخ اليسار في المنطقة والعالم ، قد يكون من الفريد ان يدرك اليساريون الاردنيون منجزات تاريخهم الابداعي والمجتمعي ، كما تتمثل في عمل هذا الوطني الكبير، والمرء ليخشى ان تكون "الدولة" قد فعلت بحسها ك"دولة" ، هي الاقرب الى هموم "الوجود" واثمانه ، والضغوط التي تتقاذفه ، مالن يفعله اليسار الاردني ، اذا هو لم يتبين المعنى الكبير ، المستخلص من انجاز غالب وموقف الدولة الاخير منه كتاسيس وكمدى، لخطى يجب ان لاتتوقف عن اعادة حفر الصورة والمعنى الذي اكتشفه غالب واصر على تكريسه ، بما تمثله في خياله ووجدانه من حدود وافاق ارنيه زرعها وسط حديقة آمن بانها تزهر بين الانهار والبحروفي قلبها . الابداع الكبيرينتظر ويحفز ابداعا راهنا ، والدولة هنا قد فعلت شيئا لايعد حسب العرف اليساري ، من اختصاصها ، ولامن صفاتها .
ثمة في الافق اليساري مفاجآت مذهله ، كانت غائبه عن الابصار، قد تصل الى حد الاجتماع يوما من الايام في الافق المنظور لوضع (البيان المساواتي /الشيوعي الثاني ) تجديدا لعهد انقضى ، منذ صدور البيان الاول عام 1847 باسم (ماركس وانجلز) ، فقد تغير العالم كثيرا جدا ، ويكاد مركز الفعل النظري والعملي لليسار العالمي ، ينتقل الى المنطقة العربيه ، وفي افق كهذا ، على اليسار الحالي ان يضع ماضيه ومنجزه الاول ، امام مجهر منظورآخر، في مقدمته ظاهرة غالب ، باعتباره انجازا تاريخيا وتطلع شعب ، ومحقق افق وطنيه وعروبه ، ونهضة مفقوده ، يثبت اليوم ان اليسار ، الذي يتجدد وينقلب على ذاته ، هو حامل رايتها .


* كاتب عراقي مقيم في باريس





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :