facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





مأساة الأنظمة العربية ..


جمال الطاهات
01-05-2011 03:15 PM

كثيرون يسألون، لماذا لا يقدم هذا النظام العربي أو ذاك على تنفيذ إصلاحات حقيقية وبشكل فوري، ويسبقون لحظة اندفاع الشوارع نحو القصور؟ ومثل هذا السؤال على كل معقوليته، وأحياناً واقعيته، يبدو خارج السياق. حتى حين يطرحه من يخططون للانتفاضات، فإنهم يطرحونه بفاعلية الخوف والخشية من أن يقدم هذا النظام العربي على إصلاحات تجهض جهودهم.
قدر الأنظمة العربية كلها، التي زورت الانتخابات أن تطيح بها الجماهير، وتلتهمها الشوارع. وهذه ليست نتيجة نبوءة عرافة، ولا قراءة فنجان، بل هي نتيجة حتمية لما أصاب الأنظمة من عجز وترهل وعدم قدرة على المبادرة للخروج من المأزق الراهن. لقد فسدت حتى حق فيها القول، (" إن الله لا يهدي القوم الفاسقين"). واحتكار الأنظمة العربية لتمثيل الجماهير خلال العقود الماضية، لا يعني أن الجماهير الصامتة كانت مع الأنظمة العربية. لقد قامت شلل الفساد والاستبداد بتدمير النخب بحجة الدفاع عن الأغلبية الصامتة. وهذه هي الأغلبية الصامتة تتقدم الآن لتقول كلمتها.
الأعمال التراجيدية اليونانية، بنيت مآسيها على الرابط القوي الذي يقيِّد الفرد بقدره. فأبطال المآسي اليونانية، جميعاً ضحايا أقدارهم. والدراما كانت قصة خيارات الإرادة الحرة التي تريد أن تفر من القدر وتغيره، وبمقدار ما كانت تسعى لتجنب أقدراها، كانت في الحقيقة تصنعها. فكانت معرفة الإنسان بقدرة أو عدم معرفته به سيان. فهو رهينة أقداره.
مع تطور الفكر البشري، بعد الثورة العلمية أصبحت المأساة أقل ارتباطاً بفكرة القدر، وأكثر ارتباطاً بالعامل الموضوعي. فضحايا المآسي الكبرى هم ضحايا خصائصهم، وعيوبهم الموضوعية التي لا يملكون منها فكاكاً، ولا يستطيعون الهروب منها. ومع ظهور مرحلة الحداثة الصناعية وما بعدها، وتجلي فكرة "الخطأ الموضوعي" أصبحت المأساة، كما تتجلى في الأدب المعاصر والسينما، منتج عنصرين، العوامل الموضوعية التي تكمن في النظم المحيطة بالأفراد، وخيارات الأفراد أنفسهم. وأصبح الصراع بين الخير والشر صراع داخلي هو صراع بين المحددات الموضوعية والخيارات الحرة. بطل المأساة هو رهينة لشر موضوعي، يدفعه لارتكاب "أخطاء موضوعية"، تعمق الفجوة بينه وبين الناس. والذي يزيد المأساة حدة هو أن بطل المأساة (كما هو حال الزعماء العرب) يستطيع لو انتبه وتنبه (كما يفعل كل المواطنين العاديين) أن يرى بوضوح حوامل الخير التي تقربه من الآخرين. وبذلك فإن مأساة الزعماء العرب هي ثمرة الاستسلام للمحددات التي تدفع للخطأ الموضوعي وتعمي البصائر عن رؤية حوامل الخير. ويبدو أن معرفة الأنظمة العربية بما هو خير وما هو شر سيان. فهي رهينة عجزها عن تحويل المعرفة إلى فهم وعمل.
رغم كل الصور التي قدمها الإعلام العربي الذي تواطأ حد الخيانة، مع هذه الأنظمة، يمكن تلمس ظلال الدم والفساد والخطيئة بكل أشكالها في صور الزعماء وحواشيهم. انكسار الصور بدأ مع ظهور الانشقاقات والتباينات، بين من يدّعي صحوة الضمير ليعلن البراءة من الشرور ويحملها لخصومه الذين أقصوه من سرايا الحكم وقصوره. والنتيجة، أن الأنظمة العربية، لم تستطع خطف الصورة والسيطرة عليها، فبقيت الصور تتفكك وتتشقق وتفضحهم. وبقيت الصور التي يصنعها المنافقون تشي بخفايا كثيرة، ربما صمتت الجموع عن التحدث بها، ولكن بقي العديد من الأفراد يصرخون بحقيقة ما يرون، والعديد من هؤلاء الأفراد دفعوا وما زالوا يدفعون الثمن غالياً. ورغم أن لا ظل فوق ظل الزعيم، ولا قامة تطاوله، إلا أن الأرض بدأت تتحرك وتبتلع الظلال الوحيدة، وتقصر القامات المنفردة.
بعد أن تشققت صور الأنظمة العربية بالعديد من المنشقين، بدأت تظهر معالم المأساة القادمة، حيث تتجلى بالعجز عن اتخاذ خطوات استباقية تسبق الشارع العربي، وتتجاوزه. فمثل هذه الخطوات تحتاج إلى قيادات غير موجودة في تكوينات الأنظمة العربية. كما أن الإحساس بالأزمة قادت الشخص الأول في أي نظام لأن يبحث عن جواب مستحيل لسؤال مرعوب: دلوني كيف أديم الحال على ما هو عليه؟ ولا يوجد –في حاشية الزعيم- من يستطيع أن يقول له، إن هذا السؤال، يصدر عن وهم، وهو بحث عن مستحيل جديد. وحتى لو اقتنع الشخص الأول بأنه من المستحيل أن يديم الحال على ما هو عليه، هناك في تجمعات الفاسدين من يأتي ليقول له، إن هذا ممكن. وحتى لو كان الزعيم واعي لحقيقة أن التغيير آت لا محالة، هو يبحث عن وهم عله يحميه في أيامه الأخيرة من ملوحة الحقيقة وحرارتها. الرغبة في إدامة الحال على ما هو عليه، تجعل الأنظمة العربية عاجزة عن تحويل المعرفة إلى فهم وفعل. والأخطر أنها تجعلها لقمة سائغة لمن يريد أن يظلل الزعيم ويقنعه بأن إدامة الحال على ما هو عليه ممكن ببعض التحسينات الشكلية.
وجود من يقول للزعيم الأول بأن بإمكانه الحفاظ على بقائه في السلطة، كما هو قبل ربيع العالم العربي، هو خلل موضوعي نتيجة طبيعة تكوين الفريق الذي يحيط بكل زعيم. فهؤلاء ترفعوا بالنفاق والتزلف، وفازوا بمزادات الولاء التي فرغت العمل السياسي من أي مضمون أخلاقي ومعرفي منذ زمن. وتحولوا الآن إلى حبل يلتف حول عنق الزعيم ليمنعه من الإصلاح. وهذه بذرة المأساة. تحول الزعيم إلى ضحية رغبته برؤية نفسه محاطاً بالمنافقين الذين يقولون له بأنه الأكثر حكمة وطولاً وإشراقاً. وأصبحت فلول المنافقين عائق حقيقي يمنع تحويل المعرفة إلى فهم وفعل.
وهناك ثلاثة أنواع من بائعي الوهم في القصور: الأول أفراد لا يريدون للزعيم أن يصلح لأنهم يريدونه أن يسقط وهم الأقرب إليه، علهم يحصلون على شرف تكفينه ودفنه وعقد الصفقة مع القادم الجديد. وهناك نوع صادق ويريد أن يديم مصالحه، وهو مقتنع بأنه يمكن الحفاظ على كل شيء فقط "بشوية تعديلات". وهؤلاء يتغاضبون، ويرفعون الصوت في كل الصالونات، ويتهمون من ينصح الزعيم بتقديم التنازلات الكبيرة بشكل سريع بأنه جبان وخائر القوة. والنوع الثالث الخطر يستعمل ذات العبارات وذات الأفكار والمواقف، لعرقلة الزعيم عن المضي بإصلاحات حقيقية، خدمة لمراكز قوة إقليمية أعلنت رغبتها (ونبوءتها) بنهاية الزعيم. وبالرغم من أن التمييز بين هذه الأنواع يكاد يكون مستحيلاً على الزعيم، ولكن المتتبع، والذي يريد أن يسجل مأساة الزعيم، يمكن أن يعاين أن المرتبطون بالخارج هم ذاتهم الذين ورطوا النظام بصورة فارغة (محشوة بالوهم) عن نفسه، وقدراته وميزاته التي لا تنتهي. فأصبح الزعيم يرى هيبته وعزته بمعايير مشوهة. فلقد قبل أن يتحول إلى مجرد خط. خط أحمر. وتارة أخرى قمة لا يمكن الوصول إليها (نقطة قصية في الأعالي) بحيث أصبحت صورته وهيبته عقبة جعلت أي إصلاحات يقدم عليها تبدو بأنها تراجع وانتقاص من قيمته و"قلة هيبة". فالهيبة معلقة على النقطة والخط. وفي النتيجة فإن صورة النظام، التي علقت على نقطة وخط، ممثلة بصورة الزعيم وحاشيته الأقربين، أصبحت هي القيد الذي يمنع الزعيم من القيام بحركة ذكية، وقوية يسبق بها الشارع الذي يلاحقه. بل هذه الصورة عن الذات هي التي تدفعه لأن يضحك بشكل هستيري فوق الجراح النازفة.
فكل نظام عربي يواجه الشارع القادم نحوه، ويواجه حقيقة فقدانه لوزنه وتمزق كامل لصورته، وهو في حالة شلل دائم. فماذا يمكن للزعيم أن يفعل. سوف يبقى جالساً يعتصره ألم ما صنعت يداه من رعب ووحشية، ينتظر زحف إسفلت الشوارع. وفي الحقيقة لقد تحققت نبوءات العارفين وزحف إسفلت الشوارع، ليس محمولاً على أكتاف المتظاهرين، ولكنه معلقاً بظلال أقدامهم.
وعندها، حين يصحو الزعيم من غفوته، إذا رفض تقديم التنازلات للشارع، فإنه يستفزه، ويدفعه للغضب. فالشارع لا يمكن لمن يستفزه أن يكسب. وإذا قدم الزعيم تنازلات تحت ضغط الشارع فإنه في الحقيقة يفتح شهية الشارع للحصول على المزيد. لذلك نطمئن من يخطط للانتفاضات الكبرى سيروا، فلن يستطيع الزعماء أن يسبقوا الشارع ويجهضوا الخطط. ولمن ينتظرون قيام الزعيم بخطوات كبرى تسبق الشارع نقول لهم حرروا أنفسكم من هذا الوهم، فإن غودو لن يأتي. فقدر هذه الأنظمة أن تغرق بعجزها الذي نتج عن شعورها المفرط بتفوقها الذي صنع بجيوش المنافقين الذين صوروا المستقبل بأنه مجرد معادلة تستطيع هذه الأنظمة السيطرة على رحلته.




  • 1 mohamed shboul 17-08-2011 | 12:09 PM

    please i need your telephone.


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :