facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





الماء والنار والفراشة الأسيرة


جهاد المومني
20-08-2007 03:00 AM

قالت لي أمي مرة وأنا أستعد للسفر للدراسة :
-دير بالك يمه من المي والنار ..
أخذت بنصف وصية أمي فلم أتعلم السباحة أبدا ,لكنني لم أبتعد عن النار كثيرا بل قربتها مني أكثر مما ينبغي عندما تعلمت التدخين وصرت من حملة الولاعات.
ليتني تعلمت الخوف من النار ...1 -
لا شيء يعنيها
مرت من تحت الشرفة كحدث مهم ,مشت الهوينا ببنطال ضيق وقميص ضاج بصدرها النافر ,وطوال الوقت انشغلت بالتلفت وراءها كمن تخلف عنه رفيقه ...
خيل إلي أنها تنتظر سيارة تاكسي ,لكن عشر سيارات تاكسي مرت بها ولم تومئ لواحدة منها ..., ولما كانت شوارع عمان بلا أرصفة للمشاة فقد اتخذت من الأرض البور إلى جانب الشارع طريقا لها وواصلت المشي ...
تحججت بالهاتف النقال مرارا وتظاهرت بالانشغال عن الحشريين والمعجبين ببنطالها ...
وبعد حرج مر تكبدته على طرف الشارع أكتمل المشهد بعد ستين لحظة من الفضول وألف خطوة خائفة تحت الشرفة ,فقد توقفت إلى جانبها سيارة سوداء يبدو أنها كانت تنتظرها بفارغ صبر ,ولكن وما أن همت بفتح بابها للركوب حدث ما لم تتوقعه...
سيارة أخرى وصلت مسرعة ولم يقو سائقها على إيقافها في الوقت المناسب ...وفجأة صرير العجلات ثم حدث الاصطدام ...
تراجعت ذات البنطال خطوتين إلى الوراء ثم التفتت مفزوعة نحو الحدث, وفي الأثناء تعالت الأصوات من عدة جهات وهرع الجيران إلى المكان وشوهد الشاب في السيارة السوداء يجري مكالمة هاتفية ثم ترجل سائق السيارة الأخرى يزبد ويرغي ويطوح بيديه مستهجنا ما حدث ...
- يا عمي بدكو تحبوا روحوا حبوا بالخلا ...هذا شارع ...
لم يوله الشاب الكثير من الاهتمام بل واصل التحدث بالهاتف ...أما ذات البنطال فشهدت الحدث للحظة واحدة فقط ثم واصلت المشي ويدها ترفع الهاتف الخلوي إلى أذنها نزولا نحو شارع الجامعة وكأن الأمر لا يعنيها أبدا....



2
لوز وبندورة
سافرت بمعية الدكتور منذر حدادين إلى نيويورك لحضور مؤتمر دولي ,كان هذا قبل ثلاث سنوات وفي حينه كان الدكتور منذر ينفذ حمية فريدة لإنقاص وزنه لدرجة أنه حمل أكله معه من عمان بكيس شفاف كان يقفله بعناية ,ولم يتناول من وجبات الطائرة غير الماء والشاي ,دفعني الفضول للإطلاع على زوادة الدكتور منذر ...فماذا كان بداخل كيسه البلاستيكي يا ترى ؟
حفنة من اللوز المسلوق وحبتان من البندورة ووريقات من الخس ...
كان هذا كل ما في الزوادة ,ولما وصلنا نيويورك ومكثنا في الفندق لم يشاركنا الوجبات والولائم على اختلافها ,بل أكل الخضار فقط واستعان بكيس اللوز للحصول على البروتينات ...وفوق ذلك مارس رياضة صارمة ,فقد مشى وهو أبن سبعين سنة -على حد تقديري وليس باعتراف منه - مسافة عشر كيلومترات من الفندق وحتى منطقة برجي التجارة المدمرين ثم العودة...وفي اليوم التالي كرر الرحلة معنا ,كان أسرعنا وأكثرنا حماسة لقطع المسافة دون اختصارها وكأنه يتمرن لخوض سباقات المشي ,وكان لا يتحدث إلا عن طرائق التخسيس ومضار السمنة وأنظمة الأكل المفيد وما بين فينة وأخرى يتحدث عن ماعين ....
في ذلك الوقت قال الدكتور منذر أن وزنه أقل من سبعين كيلوغراما وانه خسر أكثر من ثلاثين خلال عدة أشهر فقط بمحض إرادته وبتصميم منه ...
قبل عدة أسابيع التقيت الدكتور منذر في مؤتمر آخر ولكن هنا في الأردن ,كان كما عرفته قبل سنوات من رحلة نيويورك ممتلئ الجسم عريض الكتفين ,ولكنه لم يفقد نشاطه وحيويته المعتادة ...أدهشتني ردته عن تخسيس وزنه فبادرته بالسؤال عما جرى ولماذا أقلع عن نظام الحمية ؟
رد بأعذار مختلفة ثم أضاف بأسى – شو بدك راحت علينا ...والله من سنتين ثلاث ما أكلت أكله مسعده ...!
أطرقت لحظة أفكر في مثاليات الحياة وتساءلت : ترى هل خسر منذر حدادين سنتين من حياته لمجرد انه لم يأكل ما أشتهى فحرم نفسه من أطايب الأكل ...ثم وجدتني أهز رأسي وأتطرف في التساؤل : يا لطيف كيف تنازل الدكتور منذر عن المنسف الأردني لثلاث سنوات كاملة ..؟

3

كارلوس والبتراء
الملك خوان كارلوس ملك اسبانيا زار البتراء قبل عدة سنوات وهناك أطلق مقولته الشهيرة ( كيف لبلد عنده هذه التحفة ويحتاج للمساعدات الخارجية ) ...
أعتقد أننا فكرنا في مقولة ملك اسبانيا لعشر دقائق فقط أو ربما لساعة كاملة ..,لكننا منذ تلك السنة قبل أكثر من عشر سنوات لم نعد التفكير في معاني مقولة الملك خوان وكيف نترجمها إلى حقيقة جميلة نافعة تعوض بلدنا عما فاته من مصادر العملة الصعبة ....
ما العمل ؟ يقال أن التصويت للبتراء لتكون من عجائب الدنيا السبع خطوة أولى ,أما الآن وقد فازت البتراء وتربعت في المكان والمكانة التي تليق بها فأن من يعنيهم الأمر من أهل السياحة مطالبون بالعودة إلى كلمات الملك خوان وفهمها ثم العودة إلى مقتنياتهم من الأفكار الخلاقة لتحويل البتراء من مجرد مدينة وردية صماء يتردد في مغاويرها جعير الجمال ونهيق الحمير وتنتشر في إرجائها رائحة الروث إلى مدينة تعج بالحياة البشرية الضاحكة المرحة الصاخبة فيأتيها السائح كي يستطلع والمريض كي يتداوى والمتعب كي يرتاح والتعيس كي يسعد ....

4
الفراشة الأسيرة
كنا نستعد للسفر إلى عجلون عندما غافلتنا فراشة ملونة ودخلت السيارة مع الأولاد فأغلقوا النوافذ عليها وعليهم وقصدنا الشمال ,وما أن تحركت السيارة حتى بدأت الفراشة تدور بحثا عن منفذ تخرج منه وعبثا اهتدت إلى طريق خروجها رغم أن الأولاد فتحوا النوافذ على مصاريعها ...
ظلت تدور والأولاد يلاعبونها ويحاولون مساعدتها على الخروج من النافذة ...لكنها ظلت حبيسة بسيارتنا تسافر معنا مرغمة تاركة بيتها وعالمها العماني دون أن تكون لها حاجة بالسفر إلى عجلون ....فهناك لا أهل لها ولا أقارب فلماذا تترك أهلها وأقاربها وتهاجر إلى عجلون ...ثم كيف ستعود من هناك بعد أن نتوقف وتشرع الأبواب والنوافذ وتخرج العائلة بعد وصولنا إلى أهلنا وأحبابنا ...!!
كم آلمني مصير الفراشة ورحت أتابع صراعها مع هذا الرحيل الإجباري من خلال المرآة ..,وفجأة تعلقت بشعر أبنتي ومكثت هناك وكأنها اختارت أن تكون دخيلة فوق غرة مريم دون أن تشعر بها ....
قلت مدعيا أنني ألاعب الأولاد : مسكينة هذه الفراشة ..لا بد أنها تركت أولادها في عمان وها هي تسافر معنا إلى حيث لا يمكنها أن تعود ....
ومع آخر كلماتي ساد هدوء غريب في السيارة ,وعلى غير عادته وجم علي وكف عن الشقاوة ,ثم بعد لحظة سألني مدعيا هو الآخر أن الأمر لا يعنيه كثيرا: وكيف عرفت أن لها أولاد ...
قلت : لا اعرف لكنني اعتقد أنها تركت وراءها أهل ومحبين ....!
ساد الصمت مجددا,لكنه كان ثقيلا هذه المرة فمن خلال المرآة لمحت مريم وقد تقطب جبينها ومالت شفتها السفلى حزنا على الفراشة ثم فجأة أجهشت بالبكاء ..
طارت الفراشة وعقبت أم علي : ها هي افتحوا لها الشباك ...
وفتحوا لها النوافذ مجددا لكنها لم تفلح بالخلاص من الأسر ,وكنا قد وصلنا إلى البقعة عندما أعلن علي وهو أكثرنا قدرة على مواجهة المواقف الحزينة : ...وكأننا خطفناها يا حرام ...
حاول فيصل أن يمسكها بيديه ولكن الفراشة دارت وتعثرت مرارا بالجزء المغلق من النافذة فتداعت لكنها كانت تطير مجددا وتصارع من أجل حريتها ,عم الحزن سيارة العائلة وتحول البكاء إلى رجاء بالتوقف لإطلاق الفراشة المخطوفة فورا ,لكن علي عاد ليستدرك خطأ ما عندما قال : إذا أطلقناها هنا فلن تتمكن من العودة ...!
ومن قبيل الاحتياط بدأ كل فرد من العائلة بإغلاق النافذة التي تجاوره حتى لا تخرج الفراشة في البقعة فتضيع ولا تتمكن من العودة ...قالت مريم راجية : أرجوك يا أبي بحياتي عندك أرجع لعمان ...
صحت : هل جننت ....أنها مجرد فراشة ..
- أرجوك ...- قالت مريم وصارت تنتحب ..
بدوت سخيفا إلى أبعد حد ,بل وفي تلك اللحظة مجرما لا اهتم بالمشاعر ,نظرت إلى زوجتي طلبا للنجدة فوجدتها تمسح دموعها خفية ولم ترد ....,قال علي : يا بابا لا تكون قاسي ....
أما الفراشة فأصيبت بالجنون وراحت تضرب الزجاج وكأنها تهم بكسره كي تخرج من الأسر ...
عند أول مدخل للشارع العائد إلى عمان أدرت مقود السيارة وطفقت عائدا فيما علت الوجوه من ورائي فرحة غامرة ..عدت إلى شارع احد وإلى نفس المكان الذي رافقتنا فيه الفراشة ,هناك توقفت ,وفتحنا النوافذ والأبواب ورحنا جميعا نرجو الفراشة الحمقاء أن تتفضل بالنزول ...




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :