في الذكرى الثمانين للاستقلال… كي يبقى الوفاء جزءا من سردية الوطن
د. أحمد ذوقان الهنداوي
26-05-2026 10:05 PM
بالأمس، احتفل الأردن بعيد استقلاله الثمانين… ثمانون عامًا على دولةٍ بقيت واقفة حين انكسرت دول، ومتماسكة حين تفككت أوطان، وحكيمة حين ضجّ الإقليم بالصخب والارتباك. وكانت احتفالية قصر الحسينية، التي شرّفها سيدي صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، وجلالة الملكة رانيا العبدالله المعظمة، وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله المعظم، راعي السردية الأردنية، احتفالية زاهية مبدعة، توجت بخطاب جلالة الملك المعظم، خطاب جامع مانع، عاطفي ومؤثر، باعث على الفخر والثقة والطمأنينة؛ كما ازدانت الإحتفالية، كما عهدها في كل عام، بتكريمٍ مستحق لنخبة من أبناء الوطن وبناته، ممن أعطوا الأردن فكرًا أو إنجازًا أو علمًا أو تضحية... ولهم جميعًا، ولكافة من سبقهم من المكرمين المستحقين بجدارة، في احتفالات الاستقلال على مر السنوات السابقة كل المحبة والاحترام والتقدير والإمتنان على جهودهم وإنجازاتهم... فالأمم والأوطان الحية العظيمة، كما هو الأردن، تعرف كيف تحتفي دوما بأبنائها، والأردن كان دومًا، بقيادته الهاشمية، وفيًا لمن خدموه وأخلصوا له...
ولعل من الإنصاف أن يُقال أيضًا إن نهج الهاشميين، منذ الملك المؤسس عبد الله الأول، مرورًا بالمغفور له الملك الحسين بن طلال، وصولًا إلى جلالة الملك عبد الله الثاني المعظم وسمو ولي عهده المحبوب، لم يكن يومًا قائمًا على تكريم الحاضر والمستقبل فقط، بل ركز أيضا على استحضار دائم لرجالات الوطن الأوائل وصناع الدولة والشهداء والبناة وحفظ أسمائهم في الذاكرة الوطنية بوصفهم جزءًا من سردية الأردن نفسها...
ومن منطلق هذا النهج الهاشمي تحديدا، والفرح المشروع بهذه الإحتفالية، ومن باب الوفاء لا العتب، والذاكرة لا المقارنة، والعامة لا الخاصة، حضرت خاطرة لربما تستحق التوقف والتأمل: أليس من أجمل وأبهى ما يمكن أن يرافق احتفالات الاستقلال القادمة، إلى جانب التكريم المستحق للمبدعين وصناع الإنجاز في حاضر الأردن، هو، وضمن الوقت المتاح لذلك، استمرار استحضار أولئك الذين لم يجدوا حينها وطنًا مستقلاً يخدمونه، فصنعوا الوطن بنضالهم وتضحيتهم؟ وإلى رجالٍ لم يرثوا حينها الدولة، بل دفعوا أعمارهم ودماءهم رخيصة لتولد الدولة؟... من صنعوا الاستقلال نفسه، ومن حملوا الدولة في سنواتها الأولى، ومن بنوا مؤسساتها، ومن رحلوا دون أن يطلبوا تكريمًا أو ذكرًا...ليس لأن الوطن قصّر معهم… فلطالما كرّم الوطن رموزه واستحضر سيرهم… بل لأن الوفاء للأوائل لا يكتمل مرة واحدة، والذاكرة الوطنية الجميلة تُجدّد نفسها باستمرار...
لأن الاستقلال الأردني، في الحقيقة، لم يبدأ في الخامس والعشرين من أيار عام 1946… بل بدأ يوم قرر رجال أن الكرامة أثمن من السلامة، وأن المنفى أهون من التبعية، وأن الإعدام أهون من التنازل... بدأ يوم حمل الشريف الحسين بن علي راية الثورة، وحين آمن الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين أن الصحراء تستطيع أن تصبح دولة، وأن العشائر تستطيع أن تصبح أمة، وأن الحلم العربي يمكن أن يجد له موطئ قدم على هذه الأرض المباركة...
وبدأ حين وقف رجالٌ من أمثال حسين باشا الطراونة وسليمان باشا السودي الروسان وراشد باشا الخزاعي الفريحات وسالم باشا الهنداوي وناجي باشا العزام وعلي خلقي باشا الشراري وماجد باشا العدوان ومثقال باشا الفايز وعبد القادر التل وعبد الرحمن إرشيدات وكايد المفلح العبيدات وغيرهم، لا يطلبون سلطة ولا جاهًا، فقد كانت لهم قبلها وبعدها، بل يطالبون بحقهـم الطبيعي في وطنٍ سيدٍ مستقل. فأعلنوا تشكيل حزب الإستقلال الأردني عام 1918 أول حزب أردني، والذي شكل بعدها أول حكومة في إمارة شرق الأردن عام 1921... واستمروا بعدها بالنضال ضد الإنتداب والإستعمار والعدوان... حتى أصبح بعضهم مطاردًا، وبعضهم منفيًا، وبعضهم محكومًا بالإعدام، لأنهم رفضوا أن يكون الأردن تابعًا، ورفضوا أن تكون فلسطين قضية بعيدة عن وجدانهم. هؤلاء لم يكونوا معارضين عابرين… بل كانوا رجال مرحلة، ورجال فكرة، ورجال استقلال قبل أن يولد الاستقلال نفسه...
ثم جاءت وثيقة أم قيس عام 1920… ذلك الاجتماع الذي لم يكن لقاء وجهاء، بل كان، في جوهره، أول صوت أردني جماعي يقول للعالم: "نريد وطنًا مستقلًا، ونرفض الوصاية، ونرفض وعد بلفور، ونرفض أن يقرر الغرب مصير هذه الأرض"... وهناك، وقّع ناجي باشا العزام إلى جانب علي خلقي باشا الشراري وسالم باشا الهنداوي وسليمان باشا السودي الروسان وراشد باشا الخزاعي وسعد العلي البطاينة ومحمد الحمود وعبد الرحمن إرشيدات وتركي الكايد العبيدات، ومحمود النصيرات وسليم أبو الشعر ومصطفى حجازي ونجيب فركوح وعودة القسوس وغيرهم… لكن الحقيقة أنهم لم يوقعوا وثيقة فحسب,,, بل وقعوا مصيرًا... وقعوا فكرة "الأردن"... وقعوا حق الأجيال القادمة في أن تنتمي إلى دولة لا إلى انتداب...
ثم مضت السنوات… وسُجن رجال، ونُفي رجال، وعاد رجال… حتى جاء صباح الخامس والعشرين من أيار عام 1946... حين وقف أعضاء المجلس التشريعي الخامس، لا كنواب فحسب، بل كشهود على نهاية عهد وبداية وطن؛ فكان من بينهم ماجد باشا العدوان وسالم باشا الهنداوي ومعارك باشا المجالية وحسين باشا الطراونة وحمد باشا الجازي وسعود النابلسي وصبري الطباع وفوزي المفتي وعبد القادر التل ، وغيرهم ممن حملوا على أكتافهم لحظة إعلان الاستقلال، ثم حمل أربعة منهم قرار الأمة إلى الملك المؤسس، ليبايعوه باسم الأردنيين، ملكا على المملكة الوليدة بلقب "حضرة صاحب الجلالة الهاشمية، ملك المملكة الأردنية الهاشمية"، وليعلنوا للعالم أن الأردن أصبح دولة حرة ذات سيادة. .. أليس لهؤلاء علينا حق؟ أليس من الوفاء أن تُذكر أسماؤهم وفي كل مناسبة، وعلى الأخص بمناسبة الإستقلال الذي أقروه وأعلنوه وبايعوا قائدهم، باسم الأمة، على أساسه؟
ثم جاءت معركة أصعب من الاستقلال نفسه… معركة بناء الدولة... وهناك، وقف رجال آخرون… وقف وصفي التل، وهزاع المجالي، شهداء الوطن... كما وقف ذوقان الهنداوي وضيف الله الحمود وفضل الدلقموني وناصر الدين الأسد وطراد القاضي، وغيرهم كثير، ليبنوا الإنسان الأردني، لأنهم أدركوا أن الدول لا تحرسها البنادق وحدها، بل يحرسها الوعي أيضًا... وفي الجيش، كتب حابس المجالي ومشهور حديثة الجازي وفراس العجلوني وخالد الهجوج المجالي ورفاقهم فصول البطولة... وقف الساسة العظام أمثال إبراهيم هاشم وتوفيق أبو الهدى وفوزي الملقي وبهجت التلهوني وسمير الرفاعي وزيد الرفاعي والشريف عبد الحميد شرف وعبد السلام المجالي وعاكف الفايز وعدنان أبو عودة وكامل أبو جابر وغيرهم، يحملون الدولة في أوقاتٍ كان فيها الخطأ مكلفًا، والقرار أثقل من الرجال... وفي الأمن، حمل مضر بدران وأحمد عبيدات ومحمد رسول الكيلاني وغيرهم عبء حماية الدولة في أصعب مراحلها...
كل هؤلاء، وغيرهم كثير، لم يكونوا أسماءً في كتب التاريخ... كانوا الجسر الذي عبر عليه الأردن حتى وصل إلينا... ولهذا، فإن استذكارهم اليوم ليس حنينًا للماضي، وليس انتقاصًا من تكريم مستحق لأي مكرّم، وليس مقارنة بين جيل وجيل… بل وفاء... وفاء لأولئك الذين صنعوا الاستقلال وأعلنوه وحموا الدولة وبنوها، ثم رحل أكثرهم بصمت، دون أن يطلبوا وسامًا أو تمثالًا أو احتفالًا...
في الذكرى الثمانين للاستقلال، ربما أجمل ما يمكن أن نهديه للأردن، ولجلالة مليكنا المفدى، ولأبنائنا، أن نحفظ أسماء هؤلاء الرجال كما نحفظ أسماء المعارك والانتصارات…لا لأن الوطن نسيهم... بل على العكس تماما... لأن الأوطان العظيمة، كما هو الأردن بقيادته الهاشمية، لا تبنى بالذاكرة القصيرة ولا تنسى من صنع تاريخها، بل تعيد ذكرى رجالها وبناتها باستمرار...
رحم الله الراحلين من رجالات الوطن جميعًا وجزاهم عن وطننا وعنا كل خير… وحفظ الله الأردن… وحفظ قائده وسمو ولي عهده… ليبقى وطنًا، كما كان دومًا، أكبر من الجغرافيا… وأعمق من التاريخ والزمن...
حفظ الله الأردن عزيزا وقويا ومنيعا... وحماه شعبا وأرضا وقيادة ...