اين كنّا .. وإلى أين وصلنا؟ بين وصف الداء والبحث عن الدواء
محمد مطلب المجالي
06-06-2026 05:01 PM
حين يتأمل الإنسان أحوال الناس اليوم، ويقارن بين ما كنّا عليه بالأمس وما وصلنا إليه الآن، يجد نفسه أمام أسئلة كبيرة لا يجوز أن تبقى معلقة في الهواء. فالمواطن الذي كان يحلم بحياة أكثر استقرارًا وطمأنينة، أصبح يواجه سلسلة طويلة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي أثقلت كاهله وأرهقت أسرته وأدخلت القلق إلى تفاصيل حياته اليومية.
في ظل هذه الظروف والأوضاع الراهنة، تتزايد الأعباء المالية على المواطنين بصورة غير مسبوقة، وتتسع دائرة الفقر والبطالة، وترتفع أسعار المشتقات النفطية وما يتبعها من موجات غلاء تمس مختلف جوانب الحياة. وفي الوقت ذاته، نشهد انتشارًا لظواهر اجتماعية مقلقة، وفي مقدمتها التسول بأشكاله المختلفة، إلى جانب جرائم مؤسفة تهز المجتمع بين الحين والآخر وتدفع الناس إلى التساؤل عن الأسباب والدوافع والحلول.
كما يشعر كثير من المواطنين بأن همومهم تتراكم بوتيرة أسرع من الحلول المطروحة، وأن الفجوة بين ما يطمحون إليه وما يعيشونه على أرض الواقع آخذة في الاتساع. لذلك لم يعد المواطن يبحث عن الخطب الرنانة أو الوعود المؤجلة، بل عن خطوات عملية تنعكس على حياته ومعيشته ومستقبل أبنائه.
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس وجود المشكلات بحد ذاتها، وإنما الاكتفاء بوصفها وتعدادها دون الاقتراب من جذورها وأسبابها الحقيقية. فالتشخيص وحده لا يكفي، وتكرار الحديث عن الأزمات لا يصنع حلولًا، والناس لا تنتظر مزيدًا من التقارير واللجان بقدر ما تنتظر قرارات جادة وإجراءات ملموسة تعالج الخلل وتخفف المعاناة.
كما أن تعليق الفشل والإخفاق على شماعة الظروف المحيطة لم يعد كافيًا لإقناع الناس. نعم، هناك تحديات إقليمية ودولية وضغوط اقتصادية عالمية لا يمكن إنكارها، لكن الإدارة الناجحة هي التي تتعامل مع هذه التحديات باعتبارها واقعًا يجب تجاوزه لا ذريعة لتبرير التعثر. فالشعوب تحترم من يواجه المشكلات بشجاعة ويبحث عن حلول لها أكثر مما تحترم من يكثر من الأعذار والتبريرات.
إن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعة جادة للأولويات، ووضع خطط واقعية قابلة للتنفيذ، تركز على توفير فرص العمل، وتحفيز الاستثمار، ومحاربة الفقر والبطالة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ سيادة القانون، ومعالجة المشكلات من جذورها لا الاكتفاء بملاحقة نتائجها وآثارها.
فالتسول لا يُعالج بالملاحقة وحدها، والجريمة لا تُواجه بالعقوبة فقط، والبطالة لا تُحل بالوعود، والفقر لا يُكافح بالشعارات، وإنما بسياسات اقتصادية واجتماعية وتنموية تعيد للمواطن ثقته بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الحاضر.
ويبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة الناس في المجالس والبيوت والشوارع: أين كنّا وإلى أين وصلنا؟ لكن السؤال الأهم والأكثر إلحاحًا هو: إلى أين نريد أن نصل؟ وكيف نصل؟
إن الأوطان لا تبنى بالشكوى وحدها، ولا بالخطابات المتكررة، وإنما بالإرادة والعمل والتخطيط السليم. وهي بحاجة إلى رجال دولة ينظرون إلى المستقبل بعين المسؤولية، ويملكون الجرأة على تشخيص الخلل ومعالجته، ويؤمنون بأن نجاح أي سياسة أو برنامج يقاس بمدى انعكاسه على حياة المواطن وكرامته واستقراره.
فالأوطان التي تبحث عن الدواء لا تكتفي بوصف الداء، والأمم التي تريد النهوض لا تقف طويلًا عند الأعذار، بل تمضي نحو العمل والإنتاج والبناء، لأن المستقبل لا يصنعه المتفرجون، وإنما يصنعه الذين يمتلكون الرؤية والإرادة والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص، والآمال إلى واقع ملموس.