مبادرة الحفاظ على النِّعَم .. من موائد الأفراح إلى موائد المحتاجين
06-06-2026 11:56 PM
كتب عمر أبو حمور:
* عندما تتحول بقايا الطعام إلى رسالة خير تحفظ الكرامة وتمنع الهدر
في زمنٍ تتزايد فيه التحديات الاقتصادية وتتسع فيه حاجات الأسر المتعففة والفقيرة، تبرز مبادرات إنسانية تستحق كل الاحترام والتقدير، لأنها لا تكتفي بالكلام والشعارات، بل تتحول إلى عملٍ ميداني يلامس حياة الناس ويعزز قيم التكافل والتراحم بين أبناء المجتمع الواحد.
ولفتت انتباهي هذه المبادرة الإنسانية النبيلة عندما أعلن أحد أعضائها على وسائل التواصل الاجتماعي عن تلقيه اتصالاً من الباشا سليمان الغنيمات "أبو خلدون"، بعد الوليمة الكبيرة التي أقامها يوم الجمعة بمناسبة زفاف نجله الدكتور المعتصم بالله الغنيمات في مدينة السلط، حيث جرى التنسيق مع فريق المبادرة للاستفادة من الطعام الفائض وتوجيهه إلى مستحقيه بدلاً من هدره. عندها أدركت أن ما تقوم به هذه المجموعة ليس عملاً عابراً، بل رسالة مجتمعية تستحق أن تُروى وأن يُسلَّط الضوء عليها.
وقد انطلقت مبادرة الحفاظ على النِّعَم من مدينة العز والكرامة السلط، المدينة التي عرفت عبر تاريخها بقيم الشهامة والتكافل والتراحم، لتقدم نموذجاً حضارياً يعكس أصالة المجتمع الأردني وحرصه على صون النعمة وخدمة المحتاجين.
إن المجتمع الأردني بطبيعته مجتمع عشائري مترابط، يقوم على قيم الشهامة والكرم وحسن الضيافة، وتكاد لا تخلو أيامه من مناسبات الأفراح والأتراح والولائم الاجتماعية التي تعكس أصالة أبنائه وتمسكهم بالعادات والتقاليد النبيلة. وفي مثل هذه المناسبات يحرص الأردنيون على إكرام ضيوفهم وتقديم أفضل ما لديهم من طعام، وهي سمة مشرفة عرف بها الأردن وأهله عبر الأجيال.
إلا أن الجانب السلبي الذي يرافق بعض هذه المناسبات يتمثل في هدر كميات كبيرة من الطعام الصالح للاستهلاك بعد انتهاء الولائم، حيث ينتهي جزء منها داخل الحاويات رغم وجود أسر محتاجة هي بأمسّ الحاجة إليها. ومن هنا جاءت أهمية مبادرة الحفاظ على النعَم، التي حولت هذا الفائض من الطعام من هدر وضياع إلى عملٍ إنساني نبيل، عبر جمعه وفق أسس صحية وآمنة وإيصاله إلى الأسر الفقيرة والمتعففة، لتشكل نموذجاً فريداً في العمل الاجتماعي والتطوعي، يجمع بين المحافظة على النعمة وترسيخ قيم التكافل والتراحم بين أبناء المجتمع الأردني.
ويؤكد القائمون على المبادرة أن رسالتهم لا تقتصر على مدينة السلط أو محافظة البلقاء فقط، بل إن أعضاء المبادرة على استعداد للوصول إلى جميع محافظات المملكة الأردنية الهاشمية متى توفرت الإمكانيات والتنسيق اللازم، بهدف جمع الطعام الفائض الصالح للاستهلاك من حفلات الأعراس والمناسبات الاجتماعية وبيوت العزاء وغيرها، وإيصاله إلى الأسر المحتاجة والمتعففة في مختلف مناطق الوطن.
إن هذه المبادرة لا تحفظ الطعام فقط، بل تحفظ كرامة الإنسان أيضاً، وتبعث رسالة حضارية بأن المجتمع الأردني ما زال يحمل في داخله أجمل معاني التكافل والتراحم والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.
فكم من وجبة كانت ستهدر فأصبحت سبباً في إسعاد أسرة، وكم من نعمة كادت أن تلقى داخل الحاويات فتحولت إلى بابٍ من أبواب الأجر والخير، وإلى رسالة إنسانية تؤكد أن المحافظة على النعمة ليست خياراً، بل مسؤولية أخلاقية ودينية ومجتمعية.
إن القائمين على هذه المبادرة يقدمون نموذجاً مشرفاً للعمل التطوعي والإنساني، ويستحقون الدعم والمساندة من الجميع، سواء بالتعاون معهم أو بنشر ثقافة المحافظة على النعم وعدم الإسراف، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
كل الشكر والتقدير للقائمين على مبادرة الحفاظ على النعَم، ولكل يدٍ تمتد بالخير من أجل خدمة الناس وصون النعمة من الهدر والضياع، ولكل من يساهم في إنجاح هذه الرسالة الإنسانية النبيلة، بالتعاون والتنسيق لأخذ الطعام الفائض الصالح للاستهلاك من مختلف المناسبات، وفتح الأبواب أمامها للوصول إلى أكبر عدد من المستفيدين.
فالأمم تقاس بأخلاقها، والمجتمعات تبنى بالتكافل، والنعمة تدوم بالشكر والمحافظة عليها، ومن أحيا قيمة العطاء في الناس فقد ساهم في بناء مجتمع أكثر رحمة وإنسانية.
حفظ الله الأردن وأهله، وجعل أعمال الخير فيه متواصلة لا تنقطع، وبارك في كل جهدٍ يسعى إلى إطعام الجائع، وإسعاد المحتاج، والحفاظ على نعم الله من الهدر والضياع.