في عيد الأب العالمي .. شكرا لمن لا يطلب الشكر
د. جهاد يونس القديمات
22-06-2026 12:10 PM
في الحادي والعشرين من يونيو من كل عام، يحتفل عدد من دول العالم وبعض المجتمعات العربية بعيد الأب العالمي، وهي مناسبة تحمل في معناها الكثير من التقدير والوفاء لمن كان ولا يزال أحد أهم أعمدة الأسرة، ففي هذا اليوم يتوقف الناس قليلا ليعبروا عن امتنانهم للآبائهم، ليس فقط لما يقدمونه من دعم مادي بل لما يمثلونه من أمان وسند وتوجيه وحضور في حياة أبنائهم.
رغم أن عيد الأب مناسبة موجودة منذ سنوات طويلة في كثير من دول العالم، إلا أن حضوره في مجتمعاتنا العربية ما زال محدودا مقارنة بعيد الأم، فبينما يعرف الجميع تقريبا موعد عيد الأم، ويستعد الكثيرون للاحتفال به، يمر عيد الأب بهدوء، قد لا يعرف البعض أن هناك يوما مخصصا للاحتفاء بالأب، وهذا يفتح بابا للتساؤل حول أسباب هذه المفارقة، وهل هو مرتبط بقيمة الدور الذي يؤديه كل من الأب والأم، أم أنه نتيجة طبيعية لعوامل اجتماعية وثقافية تراكمت عبر الزمن؟.
لا أحد يختلف على مكانة الأم في الأسرة والمجتمع، فهي مصدر الحنان والعطاء والتضحية ودورها في حياة أبنائها لا يمكن اختصاره بكلمات، وقد نجح عيد الأم في أن يصبح جزءا راسخا من ثقافتنا العربية، حيث ارتبط بالمدارس والإعلام والمجتمع، وأصبح مناسبة سنوية يتذكر فيها الأبناء فضل أمهاتهم ويعبرون عن مشاعر ربما لا يجدون الوقت للتعبير عنها في الأيام العادية.
من جانب آخر، يبقى الأب صاحب دور لا يقل أهمية حتى لو اختلفت طبيعة هذا الدور، فالأب وأنا منهم غالبا ما يقدم عطاءه بطريقة هادئة، فهو الشخص الذي يتحمل مسؤوليات الأسرة ويسعى إلى توفير حياة مستقرة لأبنائه، ويقف خلف الكثير من النجاحات التي يحققونها دون أن يظهر اسمه في المقدمة، وقد يمر الأب بعشرات المواقف الصعبة لكنه يختار الصمت والتحمل حتى لا يشعر أفراد أسرته بالقلق أو الخوف.
ربما كان أحد أسباب ضعف حضور عيد الأب في مجتمعاتنا هو الصورة التقليدية التي ارتبطت بالأب، حيث اعتدنا أن نراه الرجل القوي الذي لا يحتاج إلى التعبير عن مشاعره أو سماع كلمات الشكر، وكأن تحمله للمسؤولية أمر طبيعي لا يحتاج إلى تقدير، لكن الحقيقة أن الأب مثل أي إنسان يحتاج إلى أن يشعر بأن جهده محل احترام، وأن أبناءه يرون ما قدمه من أجلهم.
الأب ليس مجرد شخص يعمل لتوفير الاحتياجات المادية، بل هو مرب وصاحب تأثير عميق في بناء شخصية أبنائه، فكلماته ومواقفه وطريقة تعامله مع الحياة، كلها تترك أثرا يمتد لسنوات طويلة، وقد يكون الأب هو الشخص الذي يزرع في أبنائه قيم القوة والالتزام والمسؤولية والصبر، ويمنحهم الثقة التي تساعدهم على مواجهة الحياة.
في المجتمع الأردني، كما هو الحال في كثير من المجتمعات العربية، نجد أن عيد الأب لم يصل إلى المكانة نفسها التي وصل إليها عيد الأم، فلا تزال مظاهر الاحتفال محدودة، ولا يوجد حضور إعلامي واجتماعي واسع لهذه المناسبة، وربما يعود ذلك إلى طبيعة المجتمع الذي يعبر عن احترام الأب من خلال العلاقة اليومية، أكثر من التعبير عنه عبر الاحتفالات والمناسبات.
إن هذا الهدوء حول عيد الأب يدعونا إلى مراجعة طريقة تعبيرنا عن الامتنان له، فليس المطلوب أن نجعل عيد الأب منافسا لعيد الأم، أو أن نحول الأمر إلى مقارنة بين الوالدين، لأن الأم والأب ليسا طرفين متنافسين بل هما شريكان في بناء الأسرة، ولكل منهما دوره الخاص الذي يكمل الآخر، والأسرة الناجحة تقوم على تكامل العطاء وليس على تفضيل طرف على آخر.
ربما نحتاج كمجتمع إلى أن نمنح الأب مساحة أكبر من التقدير العلني، ليس لأن الأب ينتظر الاحتفال، فهو غالبا يعطي دون انتظار مقابل، ولكن لأن ثقافة الشكر والاعتراف بالعطاء مهمة في بناء العلاقات الإنسانية، فالكلمة الطيبة والاهتمام والتعبير عن المحبة، ليست أمورا بسيطة بل هي رسائل تمنح الإنسان شعورا بقيمة ما قدمه.
يبقى الأب أكبر من أن تختصر مكانته في يوم واحد أو كلمات قليلة، فسنوات العطاء والتعب والمسؤولية لا يمكن أن تردها مناسبة عابرة أو هدية بسيطة، وربما مهما حاولنا أن نكتب عن الأب ونمنحه من كلمات التقدير، فإننا لن نوفيه حقه لأن بعض الأشخاص لا تكفيهم العبارات بل يكفيهم أن نشعر بقيمتهم، وأن ندرك أن خلف كل أسرة مستقرة أبا قدم الكثير وأعطى بصمت، ولم يطلب يوما شكرا .
[email protected]