facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المملكة الأردنية الهاشمية .. عبقرية يُقتدى بها


د. صفاء الحمايدة
23-06-2026 12:17 PM

تخيّل دولة تحدّها إسرائيل وسوريا والعراق والسعودية وفلسطين — وتخرج من كل عاصفة أقوى مما دخلتها. من يظن أن هذا حظٌ لم يجلس يوماً على خريطة الشرق الأوسط ويحدّق فيها بعيون استراتيجية. لأن ما يفعله الأردن منذ عقود ليس مجرد بقاء — بل هو فنٌّ رفيع لا يُتقنه إلا من يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يُمسك بخيط لا يراه أحد.

الأردن لم يُولَد محظوظاً — بل وُلد ذكياً. في كل مرة اشتعل فيها الإقليم، كان الأردن يُمسك بخيطين في وقت واحد: خيط العلاقة مع من يشتعل، وخيط المسافة التي تحميه من اللهب. هذه ليست مصادفة، ولا هي حياد مريب — بل هي فن دبلوماسي نادر، تُتقنه قيادة تعرف أن الكلمة في وقتها تُغني عن الجيوش، وأن الصمت في لحظته يقول ما لا تقوله الخطب.

لكن الأعمق من كل هذا: أن هذه القيادة لم تكن تقود وحدها. كان خلفها شعب يعرف كيف ومتى يلتف، ويثق. عبقرية الأردن أنه لم يكن يوماً دولة فيها حاكم وشعب — بل وطن فيه شركاء في البناء.

لكن هنا تحديداً — حيث يبدأ الإعجاب — يجب أن يبدأ السؤال الأصعب.

الخطر الوحيد الذي لا تصنعه الجغرافيا، ولا تفرضه الحروب، ولا تأتي به العواصف من الخارج — هو خطر الاكتفاء بما تحقق. دولة تُحسن البقاء لعقود قد تنام على هذا الإنجاز وتظن أنه كافٍ. وهو ليس كافياً — لم يكن يوماً كافياً. البقاء كان ضرورة الأمس، أما ضرورة اليوم فاسمها مختلف: الاختيار.

ولأن الأردن يعرف هذا جيداً — فهو يخوض معركة مزدوجة لا يراها كثيرون: يواجه في الخارج عواصف الإقليم، ويحمل في الداخل ثقلاً حقيقياً من بطالة تقضّ المضاجع، ودَيْن يستدعي قرارات شجاعة، وأعداد لاجئين تفوق طاقة دول أكبر منه بأضعاف. من يتجاهل هذا الثقل لا يفهم الأردن — ومن يفهم الأردن يعجب كيف يقف بهذا الثبات رغمه.

السؤال إذن واحد — وحاد:
هل نكتفي بالصمود، أم نحوّل الثقل إلى وقود؟

لأن الفارق بين دولة تُحسن البقاء ودولة تصنع المستقبل هو سؤال الاختيار. ومن يملك وضوح الرؤية، ويملك شعباً يثق ويلتف — يملك كل ما يحتاجه ليس لمجرد العبور من الأزمة، بل لتحويلها إلى إمكانيات وفرص لا محدودة. اختيارات اليوم ليست قرارات إدارية فحسب — بل هي رسم لمستقبل الأردن.

والأردن اليوم يجلس على تقاطع طرق حضاري نادر. بوابة بين الخليج والشام والعالم، ووصيّ على أقدس بقعة في التاريخ الإنساني، وحاضنة لعقول وكفاءات تبحث عن وطن يدعمها ويستقبلها. هذه ليست مزايا تُعدّ في الكتب — بل هي رصيد استراتيجي حقيقي، لو أُحسن توظيفه، يحوّل الأردن من دولة تتوازن بين القوى إلى دولة تصنع التوازن بنفسها.

السؤال إذن ليس: هل يملك الأردن ما يبني به؟ — بل: هل قرّر أن يبني؟

الأردن الذي نحلم به ليس فكرة رومانسية — بل هو خيار استراتيجي قابل للبناء. نحلم بأردن يكون مركزاً إقليمياً للاقتصاد والتكنولوجيا والابتكار — تأتيه العقول ولا تغادره، وتُولد فيه الأفكار قبل أن تُولد في غيره. ونحلم به قوةً دبلوماسية حقيقية، لا تنتظر أن تُدعى إلى طاولة السلام — بل تكون أول من يُبنى عليه الاتفاق. ونحلم به نموذجاً حضارياً يُثبت للعالم أن الأصالة والحداثة ليستا ضدّين — بل توأمان لا يكتمل أحدهما دون الآخر.

ثلاثة أحلام بروح واحدة — أردن لا يكتفي بأن يُشار إليه بالإعجاب، بل يُقتدى به.

لكن الحلم وحده لا يبني دولة — والنية الحسنة لا تصنع مستقبلاً. ما يصنع المستقبل هو لحظة القرار، تلك اللحظة التي تقول فيها الدولة بصوت واضح: هذا ما نريد أن نكون — وهذا ما سنفعله اليوم لنصل إليه غداً.

والأردن اليوم يقف على عتبة هذه اللحظة بالذات. الإقليم يتشكّل من جديد، الخرائط تُعاد رسمها، والتحالفات تتبدّل بسرعة لم يشهدها الشرق الأوسط من قبل. في مثل هذه اللحظات التاريخية — إما أن تكون صانع الحدث، أو أن تكون مادته.

والأردن الذي صمد في أصعب العواصف — يستحق أن يكون صانعاً، لا مادة.

في نهاية المطاف، الأردن ليس مجرد دولة تحكمها جغرافيا صعبة وتاريخ معقد — بل هو فكرة حية، تتجدد في كل قرار يُتخذ، وفي كل شاب يختار أن يبقى ويبني، وفي كل قيادة تؤمن أن ما بُني بالذكاء لا يُهدم بالعواصف.

من يعيش بعيداً عن الأردن لا يفقده — بل يراه أوضح. ومن هذا البُعد تحديداً تبدو الصورة جلية: الأردن يملك اليوم من الرصيد الاستراتيجي والثقة الإقليمية والدولية ما لا تملكه دول أكبر منه وأثرى. السؤال الوحيد المتبقي: هل نجرؤ على الحلم بصوت عالٍ — ونترجمه إلى خطوات تُرى؟

من الآخر:
الأردن لا يحتاج من يُذكّره بعظمته — بل يحتاج من يُذكّره بأن العظمة لها متطلبات ومقومات. تتطلب قرارات حاسمة وقوية، ورؤية تتجاوز المحدودية، وجرأة لا تعرف سقفاً.

هذا هو الأردن الذي يستحقه أبناؤه — وهذا هو الأردن الذي يستحق أن يُكتب عنه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :