من ميادين الشرف إلى منابر العلم .. الدكتور خلف الحمّاد نموذجًا للإرادة الأردنية
عاطف الشريدة
02-07-2026 01:18 PM
ليست جميع قصص النجاح متشابهة؛ فبعضها يبدأ من مقاعد الدراسة وينتهي في مواقع القيادة، بينما تنطلق أخرى من ميادين الخدمة الوطنية؛ لتصل إلى منصات الفكر والمعرفة، فتغدو مصدر إلهام للأجيال. ومن بين هذه النماذج الأردنية المضيئة تبرز سيرة الشيخ الدكتور خلف لافي الحمّاد، التي تجسد رحلة استثنائية جمعت بين شرف الخدمة العسكرية، ورسالة العلم؛ لتؤكد أن الإرادة الصادقة قادرة على تحويل كل مرحلة من مراحل الحياة، إلى محطة جديدة للعطاء والإنجاز.
والدكتور خلف الحمّاد أحد أبناء قبيلة بني صخر (حُمر النواظر)، القبيلة العربية العريقة التي ارتبط اسمها بتاريخ الدولة الأردنية، وأسهم أبناؤها في خدمة الوطن والقيادة الهاشمية عبر مختلف المراحل.
بدأ الدكتور الحمّاد مسيرته العملية في جهاز الأمن العام/ قيادة قوات البادية الملكية، قبل أن ينتقل إلى الديوان الملكي الهاشمي/مستشارية العشائر، حيث أمضى سنوات من عمره في خدمة الوطن؛ ملتزمًا بقيم الانضباط والمسؤولية والإخلاص، وهي القيم التي شكّلت شخصيته وأسهمت في نجاحه في مختلف المحطات التي مر بها لاحقًا.
غير أن انتهاء خدمته العسكرية لم يكن نهاية لمسيرة العطاء، بل كان بداية لمرحلة جديدة أكثر ثراءً. فقد اختار أن يواصل طريقه في ميدان العلم؛ مدفوعًا بقناعة راسخة بأن التعلم عملية مستمرة، وأن الإنسان قادر على صناعة مستقبل جديد متى امتلك الإرادة والعزيمة.
وبجهدٍ متواصل ومثابرةٍ لافتة، واصل دراسته العليا حتى نال درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى من جامعة القاهرة، إحدى أعرق الجامعات العربية وأكثرها تأثيرًا في مسيرة التعليم العالي والبحث العلمي، ويُعد هذا الإنجاز انعكاسًا لإصراره على تطوير ذاته، كما يبعث برسالة إيجابية مفادها أن الطموح لا يرتبط بسنٍّ، أو بمرحلةٍ وظيفية، وإنما بالإيمان بالقدرة على الإنجاز.
وانتقل الدكتور خلف الحمّاد بعد ذلك إلى العمل الأكاديمي في كلية الإعلام بجامعة اليرموك؛ ليبدأ مرحلة جديدة من خدمة المجتمع من خلال إعداد أجيال من الإعلاميين وتأهيلهم. واستطاع خلال فترة وجيزة أن يرسّخ حضوره العلمي والأكاديمي، وأن يحظى بتقدير زملائه وطلبته، بفضل ما يتمتع به من خبرة عملية، ورؤية أكاديمية، وأسلوب تعليمي يجمع بين المعرفة والتطبيق.
ولم يكن اختياره لاحقًا رئيسًا لقسم العلاقات العامة والإعلان إلا امتدادًا لمسيرة اتسمت بالكفاءة والتميز، حيث واصل العمل على تطوير القسم وتعزيز حضوره الأكاديمي، انطلاقًا من إيمانه بأن الجامعة ليست مؤسسة للتعليم فحسب، بل بيئة لصناعة الفكر، وبناء الكفاءات، وإعداد القيادات القادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وتتجاوز تجربة الدكتور خلف الحمّاد حدود الإنجاز الشخصي؛ لتقدم نموذجًا وطنيًا يعكس قيمة الاستثمار في الإنسان، ويؤكد أن الانتقال من ميدان إلى آخر لا يعني التخلي عن الرسالة، بل توسيع آفاقها. فمن حمِل مسؤولية حماية الوطن، فهو قادر أيضًا على الإسهام في بناء الإنسان، ومن أتقن الانضباط العسكري يستطيع أن يوظف تلك القيم في ترسيخ ثقافة العلم والعمل والإبداع.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تكتسب مثل هذه النماذج أهمية خاصة؛ لأنها تبرهن أن النجاح ليس وليد الصدفة، وإنما ثمرة رؤية واضحة، وعمل دؤوب، وإيمان بأن خدمة الوطن تتخذ صورًا متعددة، تتكامل فيها ميادين الأمن والتعليم والمعرفة.
لقد انتقل الشيخ الدكتور خلف لافي الحمّاد من ميادين الشرف إلى منابر العلم، لكنه ظل وفيًا لرسالته الوطنية، مؤمنًا بأن خدمة الأردن لا ترتبط بموقع أو منصب، وإنما تستمر ما دام الإنسان قادرًا على العطاء. فحين ينتهي دور البندقية، يبدأ دور القلم، وكلاهما يؤدي رسالة واحدة عنوانها: خدمة الوطن وبناء مستقبله.