facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الوطن ليس سلماً للمناصب


د. سمر الشديفات
18-07-2026 09:19 PM

ثمة مشهد يتكرر في كثير من الدول، لكنه يصبح أكثر إيلاما عندما يحدث في وطنٍ كالأردن، الذي لم يبخل يوما على أبنائه بالفرص والثقة والتقدير. إنه مشهد أولئك الذين حملهم الوطن إلى أعلى المواقع، ومنحهم شرف تمثيله وصناعة قراره، ثم ما إن يغادروا مناصبهم حتى تتغير لهجتهم، وتتحول كلماتهم إلى سهام، ويصبح الوطن الذي احتضنهم هدفا للنقد الجارح والتشويه، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءا من مؤسساته، ولم ينالوا من خيره ما لم ينله كثيرون.

إن الاختلاف في الرأي حق، والنقد الموضوعي ضرورة لتطوير الأداء، لكن الإساءة إلى الوطن، والطعن بمؤسساته، والتشكيك بكل منجزاته لمجرد انتهاء المنصب، ليست معارضة وطنية، بل صورة من صور الجحود وإنكار الجميل. فمن أحب وطنه في المنصب سيحبه بعد المنصب، ومن كان ولاؤه للكرسي لا للأردن، فسيسقط مع أول لحظة يفقد فيها امتيازاته.

ما الذي يدفع بعض المسؤولين إلى هذا التحول؟ الإجابة تبدأ عندما يتحول المنصب من تكليف إلى ملكية شخصية، وعندما يختزل البعض الوطن في موقعه، والدولة في اسمه، والإنجاز في حضوره. فإذا غادر المشهد، ظن أن كل شيء قد انتهى، فيبدأ بمحاولة هدم الصورة التي كان يوما جزءا من بنائها. إنها أزمة قيم قبل أن تكون أزمة مواقف، وأزمة انتماء قبل أن تكون أزمة رأي.

ولعل أخطر ما في الأمر أن بعض هؤلاء لم يصلوا إلى مواقعهم بجهود فردية فقط، بل بفضل دولة آمنت بهم، وقيادة وثقت بقدراتهم، ومؤسسات منحتهم الصلاحيات، وشعب منحهم الاحترام. وكان الأولى بهم، بعد انتهاء مسؤولياتهم، أن يكونوا سندا لوطنهم، وخزانا للخبرة، ومرجعا للحكمة، لا أن يتحولوا إلى منصات للتجريح وتصفية الحسابات.

لقد أكد جلالة الملك عبد الله الثاني مرارًا أن "الشخص المناسب في المكان المناسب" هو أساس نجاح الإدارة العامة وبناء الدولة الحديثة. غير أن هذه القاعدة لا ينبغي أن تُقرأ من زاوية الكفاءة والخبرة وحدهما، بل يجب أن تمتد لتشمل معيارًا لا يقل أهمية، وهو صدق الانتماء والولاء للوطن. فكم من صاحب خبرة أخفق لأنه لم يحمل الأردن في قلبه، وكم من مخلص صنع الفارق لأنه أدرك أن خدمة الوطن شرف ومسؤولية قبل أن تكون منصبا.

إن المرحلة المقبلة تستوجب أن يكون حب الوطن معيارا أصيلا في اختيار من يتولى المواقع السياسية والإدارية العليا، وأن يُنظر إلى تاريخ الإنسان في الوفاء والانتماء كما يُنظر إلى سيرته العلمية وخبراته العملية. فالمسؤول الذي يبقى وفيا لوطنه بعد مغادرة مكتبه، هو الأجدر بأن يُؤتمن عليه وهو في موقع القرار.

الأردن لا يحتاج إلى مسؤولين يعشقون الكراسي، بل إلى رجال دولة يدركون أن الكرسي وسيلة لخدمة الوطن، لا غاية لخدمة الذات. يحتاج إلى من يختلف بأدب، وينتقد بمسؤولية، ويحفظ هيبة الدولة حتى وهو خارجها، لأن الدول العظيمة تُبنى برجال يضعون الوطن فوق أسمائهم، لا بأشخاص يضعون أسماءهم فوق الوطن.

سيبقى الأردن أكبر من المناصب، وأسمى من الأشخاص، وأبقى من كل الألقاب. وستبقى قيمة الإنسان فيما يتركه من أثر، لا فيما يحمله من لقب. أما الذين يأكلون من خير الوطن ثم يرشقونه بالحجارة عندما يغادرون مواقعهم، فإنهم لا يسيئون إلى الأردن، بقدر ما يكتبون بأيديهم شهادة جحود ستبقى تلاحقهم أمام التاريخ، لأن الأوطان لا تنسى المخلصين، كما أنها لا تنسى من أنكروا جميلها.

حفظ الله الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، وبشعبه الوفي، وليبقَ معيارنا الأول في كل موقع مسؤولية: أن يكون حب الوطن والولاء له فوق كل اعتبار، وأن يكون المنصب تكليفا لخدمة الأردن، لا وسيلة لخدمة الذات.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :