facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إسرائيل في زمن الحساب الأمريكي .. من الحليف المقدس إلى المشروط


سمير حمدان - بودابست
19-07-2026 10:31 AM

أخطر ما يحدث في واشنطن اليوم ليس تغير الرؤساء، ولا تبدل التحالفات، بل تآكل الفكرة التي حكمت السياسة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة، وهي أن الولايات المتحدة تستطيع تمويل النظام الدولي بلا حدود، وحماية حلفائها بلا سقف للكلفة، غير أن هذا الافتراض يتراجع تحت ضغط دين عام تجاوز أربعة وثلاثين تريليون دولار، ومنافسة استراتيجية مع الصين تعدها وثائق الأمن القومي الأمريكية التحدي الأول، وانقسام داخلي يفرض على أي إدارة تبرير كل دولار ينفق خارج الحدود، لذلك لم يعد السؤال هل ستدعم واشنطن إسرائيل، بل لماذا، وبأي ثمن، وإلى أي مدى يخدم هذا الدعم المشروع الأمريكي الجديد .

منذ قيام إسرائيل لم يكن التحالف معها قائمًا على الاعتبارات الأخلاقية وحدها، بل على وظيفة استراتيجية تتغير مع تغير النظام الدولي، خلال الحرب الباردة مثلت ركيزة متقدمة في سياسة الاحتواء، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي أصبحت جزءًا من النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، ثم جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر لتضعها في قلب الحرب على الإرهاب، أما اليوم فقد أصبحت المنافسة مع الصين، والتفوق التكنولوجي، وأمن الإمدادات، الإطار الذي تُقاس من خلاله قيمة كل تحالف، كما تعكس وثيقة الأمن القومي الأمريكية، واستراتيجية الدفاع الوطني، وتقارير مراكز الفكر الكبرى، ولم يعد النفوذ يقاس بحجم الانتشار العسكري وحده، بل بقدرته على خدمة الأولويات الأمريكية .

منح دونالد ترامب إسرائيل مكاسب سياسية غير مسبوقة، من نقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بالسيادة على الجولان، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، ورعاية اتفاقيات أبراهام، لكنه أعاد طرح سؤال ظل مؤجلًا، لماذا تتحمل الولايات المتحدة العبء الأكبر لحماية النظام الدولي، وجاء جي دي فانس ليمنح هذا السؤال بعدًا فكريًا عندما أكد أن أمريكا ليست شرطي العالم، وأن الأولوية يجب أن تكون لإعادة بناء الاقتصاد، والاستعداد لمنافسة الصين، لا الانخراط في نزاعات تستنزف القوة الأمريكية، وهنا لا يتغير التحالف مع إسرائيل بقدر ما يتغير تعريف القيادة الأمريكية، حيث ينتقل التفكير الاستراتيجي من منطق الهيمنة المفتوحة إلى منطق إدارة الموارد وإعادة تقييم الالتزامات وفق المصلحة القومية .

وتتجسد المعضلة بصورة أوضح في الأرقام، فمذكرة التفاهم الموقعة عام 2016 تنظم مساعدات عسكرية لإسرائيل تبلغ ثمانية وثلاثين مليار دولار على مدى عشر سنوات، ما يجعلها من أكبر المستفيدين من الدعم العسكري الأمريكي، وفي المقابل يناقش الكونغرس أولويات الإنفاق الدفاعي، بينما يحذر خبراء الاقتصاد من استمرار تصاعد الدين العام، الأمر الذي يجعل كل التزام خارجي جزءًا من نقاش أوسع حول توزيع الموارد، وهكذا تتحول الأرقام من دليل على امتياز الحليف إلى بند يختبر قدرته على تبرير الكلفة داخل ميزان المصلحة الأمريكية .

ولا يقتصر هذا التحول على مؤسسات الدولة، بل يمتد إلى المجتمع الأمريكي، فقد أظهرت استطلاعات مركز بيو ومؤسسة غالوب تغيرًا في مواقف قطاعات من الشباب تجاه إسرائيل، بينما بقي التأييد أكثر قوة داخل القاعدة الجمهورية والإنجيلية، وهذا يعني أن القضية لم تعد تتمتع بالإجماع نفسه الذي ميز العقود السابقة، وأن أي إدارة ستضطر إلى الموازنة بين ضغوط الداخل ومتطلبات السياسة الخارجية .

ويعلم التاريخ أن القوى الكبرى لا تفقد نفوذها لأنها تتأخر في تغيير أولوياتها، فقد أعادت بريطانيا بعد أزمة السويس تعريف دورها العالمي، كما راجعت الولايات المتحدة فلسفة تدخلاتها بعد العراق وأفغانستان حين تجاوزت الكلفة العائد السياسي، واليوم تبدو واشنطن أمام اختبار مشابه، لأنها تدرك أن الحفاظ على التفوق يفرض إدارة أكثر صرامة للموارد، وإعادة تسعير التحالفات وفق قدرتها على خدمة مشروع المنافسة الكبرى .

ولا تشير القراءة المستقبلية إلى انهيار التحالف الأمريكي الإسرائيلي، بل إلى إعادة صياغته وفق منطق جديد، سيستمر الالتزام بالتفوق العسكري الإسرائيلي، وسيظل منع تحول إيران إلى قوة نووية هدفًا ثابتًا، لكن الدعم سيصبح أكثر ارتباطًا بحسابات المنافسة مع الصين، وأكثر خضوعًا لمعادلة الكلفة والعائد، وأقل اعتمادًا على الرمزية التاريخية، وهنا تكمن الحقيقة التي يصعب تجاهلها، إسرائيل لا تواجه نهاية التحالف مع الولايات المتحدة، بل نهاية المرحلة التي كان فيها هذا التحالف فوق المساءلة، وعندما تبدأ الإمبراطوريات بمراجعة تعريف القوة، يصبح أقرب الحلفاء جزءًا من كشف الحساب، لا استثناءً منه .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :