الأردن… قوة الدولة الهادئة
د. هيفاء ابوغزالة
19-07-2026 10:33 AM
ليست كل دولة قوية لأنها تملك فائضًا من المال، ولا لأن صوتها الأعلى في الإقليم، ولا لأن جغرافيتها تمنحها أسباب التفوق. بعض الدول تبني قوتها من قدرتها على المناورة، وبعضها من ثرواتها، وبعضها من حجمها العسكري، أما الأردن فقد بنى قوته من معادلة أكثر تعقيدًا: أن يبقى ثابتًا في منطقة لا تعرف الثبات.
هذه ليست قوة صاخبة، ولا قوة تحتاج إلى استعراض دائم. إنها قوة الدولة التي لا تندفع إلى المغامرة، ولا تغيب عندما تتعقد الأزمات، ولا تسقط حين تتبدل التحالفات وتضطرب الحدود. قوة تعمل بهدوء، لكنها تظهر بوضوح حين تعجز دول أكبر حجمًا وأكثر ثراءً عن حماية توازنها الداخلي أو الحفاظ على موقعها السياسي.
منذ نشأته، لم يعرف الأردن رفاهية الجغرافيا الآمنة. عاش في قلب إقليم مثقل بالحروب والانقسامات وموجات اللجوء والتقلبات السياسية. دفع أثمان أزمات لم يصنعها، واستقبل تداعيات صراعات لم يكن طرفًا فيها، وتحمل أعباءً اقتصادية واجتماعية وإنسانية تفوق في أحيان كثيرة حجم موارده وإمكاناته.
ومع ذلك، بقيت الدولة قائمة، وبقيت المؤسسات تعمل، وظل المجتمع قادرًا على امتصاص الصدمات من دون أن تنكسر بنيته الأساسية. هنا تحديدًا تبدأ قراءة القوة الأردنية؛ لا في غياب الأزمات، بل في منعها من التحول إلى انهيار.
لم ينجُ الأردن بالحظ، ولم تحمه الجغرافيا، بل حمته خبرة سياسية تراكمت عبر عقود، وقيادة أدركت أن بقاء الدولة في منطقة مضطربة يحتاج إلى حسابات دقيقة، لا إلى شعارات مرتفعة. لهذا عرف الأردن متى يقترب، ومتى يبتعد، ومتى يتمسك بموقفه، ومتى يفتح نافذة للحوار.
لم يكن الاعتدال الأردني ترددًا، بل قراءة واعية لموازين القوى. ولم تكن دبلوماسيته حذرًا سلبيًا، بل وسيلة لحماية المصالح الوطنية في بيئة تتغير فيها التحالفات بسرعة. استطاع الأردن أن يحتفظ بخطوط مفتوحة مع أطراف متباعدة، وأن يبقى موضع ثقة في ملفات شديدة الحساسية، وأن يجعل من عمّان مساحة للحوار حين تضيق مساحات التفاهم في عواصم أخرى.
في السياسة الدولية، لا تكفي القدرة على الكلام، بل الأهم أن يصدق الآخرون ما تقوله الدولة، وأن يثقوا بأن مواقفها لا تتغير مع أول موجة ضغط. وقد راكم الأردن هذا النوع من المصداقية، حتى أصبحت قيمته السياسية أكبر من مساحته، وأصبح غيابه عن أي معادلة إقليمية مؤثرة يترك فراغًا يصعب تجاهله.
أما الجيش العربي والأجهزة الأمنية، فقد شكلا أحد أهم أعمدة هذه القوة الهادئة. فالحدود الأردنية لم تكن يومًا خطوطًا ساكنة، بل بقيت على تماس مباشر مع الحروب، والتنظيمات المسلحة، وشبكات التهريب، والانهيارات الأمنية في دول الجوار. ومع ذلك، نجح الأردن في حماية حدوده والحفاظ على أمنه الداخلي، من دون أن تنزلق مؤسساته العسكرية إلى الصراع السياسي أو تصبح طرفًا في التنافس الداخلي.
لكن القوة الحقيقية لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها، بل بقدرتها على حماية تماسكها الاجتماعي. والأردن، الذي استقبل موجات متعاقبة من اللاجئين والنازحين، واجه مهمة شديدة الصعوبة: كيف يستوعب آثار أزمات المنطقة من دون أن يسمح لها بإعادة تشكيل استقراره الداخلي على نحو خطير؟
لقد تحمّل ضغطًا هائلًا على المدارس والمستشفيات والمياه والبنية التحتية وسوق العمل، لكنه حافظ في الوقت ذاته على وحدة المجتمع، وعلى قدرة الدولة على إدارة التنوع والاحتقان والضغوط المتراكمة. وهذه صورة من صور القوة لا تظهر في الاستعراضات العسكرية، لكنها أكثر حساسية وأبعد أثرًا في عمر الدول.
غير أن الإنصاف يقتضي ألا يتحول الحديث عن قوة الأردن إلى مديح مريح، أو إلى خطاب يبرر البطء ويؤجل الأسئلة الصعبة. فالدولة التي نجحت طويلًا في الصمود مطالبة اليوم بأن تنجح في التقدم. والاستقرار لا يبقى إنجازًا مكتملًا إذا لم ينعكس في حياة المواطن، وفي فرص العمل، وجودة التعليم، وعدالة الإدارة، وكفاءة الخدمات، وسرعة القرار.
أخطر ما قد يواجه الأردن ليس ما يأتيه من الخارج، بل أن تتحول قدرته الاستثنائية على احتواء الأزمات إلى ثقافة دائمة لإدارة الأزمات. فقد أتقن الأردن، عبر عقود، فن عبور العواصف، لكن عبور العاصفة لا يعني الوصول إلى الميناء.
لقد تغيّر مفهوم القوة في العالم. لم تعد الدول تُقاس فقط بقدرتها على حماية الحدود، بل بقدرتها على جذب الاستثمار، وإنتاج المعرفة، واستبقاء العقول، وتوطين التكنولوجيا، وصناعة الفرص، وبناء إدارة عامة سريعة وقادرة على اتخاذ القرار.
وهذه هي المعركة الأهم أمام الأردن اليوم. فهي لا تُحسم بالأمن وحده، ولا بالدبلوماسية وحدها، بل بإدارة توازي في كفاءتها المؤسسة العسكرية، وباقتصاد يفتح المجال أمام المبادرة، وتعليم يصنع مهارات المستقبل، ومؤسسات تستعيد ثقة المواطن بالفعل لا بالوعود.
إن أكبر تحدٍّ أمام الأردن ليس نقص الموارد؛ فقد عاش بهذه الحقيقة منذ تأسيسه. التحدي الحقيقي هو ألا يتحول الاعتياد على الندرة إلى ندرة في التفكير، وألا تصبح محدودية الإمكانات مبررًا لتأجيل القرارات الكبرى.
فالدول التي تتقدم ليست بالضرورة الأغنى، بل الأسرع في فهم التحولات، والأجرأ في إصلاح أخطائها، والأقدر على تحويل قيودها إلى فرص. والأردن يملك ما يؤهله لذلك: رأس مال بشريًا مهمًا، وموقعًا استراتيجيًا، وسمعة سياسية راسخة، ومؤسسات تمتلك خبرات طويلة، وعلاقات دولية واسعة.
لكن هذه العناصر تبقى أصولًا معطلة ما لم تتحول إلى مشروع وطني واضح، لا يكتفي بالإجابة عن سؤال: كيف نتجاوز الأزمة المقبلة؟ بل يجيب عن سؤال أكبر: ماذا نريد أن يكون الأردن بعد عشر سنوات؟
الأردن لا يحتاج إلى إعادة اكتشاف نفسه، بل إلى تحرير عناصر قوته من البطء والبيروقراطية والخوف من المبادرة. يحتاج إلى الانتقال من دولة تدير المخاطر بكفاءة إلى دولة تصنع الفرص بالجرأة نفسها. ومن حماية الاستقرار إلى استثماره. ومن الاحتفاء بالصمود إلى بناء نموذج تنموي يمنح المواطن سببًا للبقاء والأمل والمشاركة.
لقد أثبت الأردن أنه قادر على حماية الدولة من الانهيار، لكن الامتحان الأصعب هو حماية المواطن من اليأس. فالأمن لا يبقى متينًا إذا أضعفه الإحباط، والاستقرار لا يصمد إذا اتسعت المسافة بين الناس ومؤسساتهم، ولا تكفي المكانة الخارجية إذا لم يشعر المواطن بقوة دولته في تفاصيل حياته اليومية.
قوة الأردن الهادئة صنعتها القيادة الهاشمية بما راكمته من شرعية تاريخية وسياسية، وصنعتها مؤسسة عسكرية محترفة، ودبلوماسية تعرف حدود المغامرة، ومجتمع امتلك قدرة استثنائية على الاحتمال. لكن هذه القوة تحتاج اليوم إلى تجديد، لأن الدول لا تعيش طويلًا على رصيد الماضي، مهما كان كبيرًا.
الهدوء الأردني ليس ضعفًا، لكنه يجب ألا يتحول إلى صمت أمام الخلل. والاعتدال ليس ترددًا، لكنه يجب ألا يصبح بطئًا في اتخاذ القرار. والاستقرار ليس نهاية الطريق، بل بدايته.
لقد أثبت الأردن أنه قادر على البقاء واقفًا عندما تهتز المنطقة من حوله. أما التحدي المقبل، فهو أن يثبت أنه قادر على التقدم بالثبات نفسه، وأن ينتقل من نموذج الدولة التي تتفادى السقوط إلى نموذج الدولة التي تصنع الصعود.
هذه هي قوة الأردن الحقيقية: دولة لا تملك فائضًا من الثروة، لكنها تملك فائضًا من الحكمة؛ لا ترفع صوتها كثيرًا، لكن غياب صوتها يربك المعادلات؛ لا تهدد الآخرين، لكن استقرارها مصلحة تتجاوز حدودها.
الأردن ليس دولة نجت بالحظ، بل دولة عرفت كيف تجعل من محدودية مواردها سببًا لحسن الحساب، ومن صعوبة موقعها مصدرًا لقيمتها، ومن هدوئها شكلًا من أشكال القوة. وما يحتاجه اليوم ليس أن يثبت قدرته على البقاء، فقد فعل ذلك منذ زمن، بل أن يحوّل هذه القوة الهادئة إلى مشروع نهضة يليق بالدولة وبالإنسان الأردني