الثقة الوطنية: القوة التي تحمي الدولة في زمن الأزمات
فيصل تايه
27-07-2026 09:11 AM
إن ما نشهده بين الحين والآخر من هجمات إعلامية ممنهجة، ومحاولات مغرضة للتشكيك بمواقف الأردن وزجّه في تجاذبات إقليمية، ليس مجرد حملة إعلامية، بل هو انعكاس لصراع استراتيجي أصبحت فيه "الرواية الوطنية" أحد ميادين الدفاع عن الدولة ومصالحها. وفي ظل هذا الواقع، يجد إعلامنا نفسه أمام واجب سيادي يتطلب خطاباً يتسم بالجسارة والسرعة والقدرة على تفكيك الروايات الزائفة قبل انتشارها؛ فمواجهة التضليل لا تكون بالصمت أو بالدفاع التبريري، بل بامتلاك زمام المبادرة وإنتاج المعلومة الموثوقة.
وهذا الاستهداف الممنهج هو جزء من معركة الوعي الشاملة؛ إذ تثبت الأزمات المتلاحقة أن قوة الدول في المنعطفات الصعبة لا تُقاس فقط بامتلاك الهياكل المؤسسية القادرة على التنفيذ الميداني، بل ترتبط أساساً بقدرتها على الحفاظ على الثقة السيادية بينها وبين مواطنيها، وإيصال رؤيتها بوضوح في اللحظات التي تكثر فيها الأسئلة وتزداد الضغوط.
وفي منطقة تشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، يصبح الحفاظ على تماسك المجتمع وتعزيز وعيه ركيزةً أساسيةً من ركائز الأمن الوطني الشامل. فالدولة تواجه سباقاً محموماً على تفسير الأحداث وتشكيل الوعي العام حولها، مما يفرض انتقالاً استراتيجياً من عقلية "رد الفعل" الإعلامي الروتيني إلى صناعة "الرواية الاستباقية"؛ ففي عصر التدفق الرقمي الفوري، قد يصبح "الفراغ المعلوماتي" أخطر من الحدث نفسه، لأنه يفسح المجال للآخرين لكتابة الرواية بدلاً من أصحابها.
لقد تغيرت أدوات التأثير العالمي بصورة جذرية؛ ولم يعد يكفي أن تكون مواقف الدولة صحيحة وعادلة، بل يجب أن تمتلك الكفاءة الاحترافية لشرحها بلغة واضحة ومسؤولة، وقادرة بالدرجة الأولى على مخاطبة جيل الشباب عبر المنصات الرقمية المعاصرة التي يستقون منها وعيهم اليومي، وهي الساحة الأكثر عرضة لمحاولات بناء التصورات المضللة.
وهنا، يستند الأردن إلى رصيد تاريخي وازن من الحكمة والاعتدال، حافظ عبر عقود على نموذج دولة تقوم على الشرعية والعلاقة المتينة بين المؤسسات والمواطنين. لكن هذا الرصيد ليس مكسباً تلقائياً، بل هو استثمار وطني يحتاج دائماً إلى تعزيز وتجديد لتمتين الجبهة الداخلية وتعميق المرونة الوطنية في وجه الاستقطاب غير المسبوق.
إن التحدي اليوم لا يكمن في صناعة "صورة إعلامية تجميلية"؛ فالدول لا تُبنى بالبروباغندا، وإنما في تعزيز الانسجام التام بين الأداء الميداني ورسالة التواصل. فالثقة لا تُنتجها البيانات المقتضبة، بل يصنعها وضوح الموقف، ودقة المعلومة، وسرعة الاستجابة، وتكريس سيادة القانون، ليشعر المواطن بأن الدولة حاضرة ومدركة لحجم التحديات المعيشية والسياسية.
من هنا، يصبح تطوير الاتصال المؤسسي جزءاً حيوياً من إدارة الدولة وصناعة استقرارها. إن الدولة الواثقة بمؤسساتها تدرك أن الشفافية والمكاشفة هما رأس مالها الأكبر، وأن المواطن شريك أصيل في مسيرة التحديث السياسي والاقتصادي والإداري. وهذا يتطلب ترسيخ ثقافة مؤسسية ممتدة تتجاوز تغير الحكومات، تقوم على وحدة الرؤية وتكامل الخطاب، والنظر إلى المعلومة الدقيقة بوصفها مورداً وطنياً استراتيجياً، وإلى التواصل باعتباره مسؤولية سيادية.
ختاماً، إن الدول التي تحافظ على صلابتها في الأزمات ليست تلك التي لا تواجه التحديات، بل هي التي تمتلك الشجاعة لإدارتها بثقة وهدوء، وتحافظ على جسور التواصل مع شعبها باعتباره المصدر الأول للقوة والشرعية. فالدولة القوية والمهابة هي التي يعلم مواطنوها أن مؤسساتها تعبر عن طموحاتهم، وتكاشفهم بالحقائق، وتحترم وعيهم، لتبقى الثقة الوطنية المتبادلة بين الدولة والمواطن الحصن الأعمق لعبور الأزمات وصناعة المستقبل.