إقليم على حافة التغيير .. الانهيار البيئي وصراع البقاء
أمل محي الدين الكردي
27-07-2026 09:20 AM
تجاوز مفهوم الأمن في القرن الحادي والعشرين قواعده الكلاسيكية المرتبطة بالجيوش وتأمين الحدود. ففي إقليم يعاني هشاشة هيكلية كـالشرق الأوسط، بات "الأمن البيئي" ركيزة حاسمة للأمن القومي، ولم يعد التدهور المناخي وشح المياه مجرد أزمات تنموية جانبية، بل تحولتا إلى مكونات بنيوية للنزاعات تعيد صياغة شكل الصراعات وقدرة الدول على الاستمرار.
يعيش الإقليم واقعاً بيئياً شديد التعقيد تتداخل فيه عوامل التغير المناخي والحروب المزمنة؛ حيث يواجه العراق وسوريا تراجعاً حاداً في منسوب دجلة والفرات بينما يعاني الأردن من أزمة شحّ مائي غير مسبوقة، وتؤدي موجات الجفاف والعواصف الغبارية إلى جانب التوسع العمراني العشوائي إلى تآكل المساحات الزراعية واستنزاف البنى التحتية، ولا تدمر النزاعات المسلحة البشر والعمران فحسب بل تستهدف عمداً الموارد المائية ومصادر الطاقة لتصبح البيئة سلاحاً في ميدان المعركة، وهو ما يتجسد بوضوح في واقع الحروب الراهنة التي لا تكتفي بحصد الارواح، بل تتعمد تلويث مصادر المياه، وتدمير الأراضي الزراعية، وحرق الغطاء النباتي، وتحويل البيئة الحضرية إلى ركام غير آمن، في استراتيجية ممنهجة لكسر مقومات بقاء المجتمعات وجعل الحياة اليومية مستحيلة.
لم تعد السيطرة الجغرافية وحدها معياراً للنفوذ، فالقدرة على إدارة الموارد الحيوية أصبحت الفيصل في استقرار الدول، وهنا تكتسب أطروحة توماس هومر ديكسون أهمية بالغة عبر التأكيد على أن ندرة الموارد الطبيعية لا تبقى مجرد مشكلة بيئية بل تتفاعل مع عوامل اجتماعية وسياسية لتوليد العنف البنيوي، إذ عندما تتقلص الموارد بسبب التصحر والجفاف وسوء الإدارة يحدث نزوح داخلي وهجرة واسعة من الريف إلى المدن يرهق البنى التحتية الضعيفة ويخلق بطالة وفقراً يفرزان بيئات هشة قابلة للانفجار السياسي والنزاعات الأهلية والإقليمية، لتصبح الضغوط المناخية والبيئية بذلك صاعق تفجير خفي يزعزع استقرار الدول من الداخل ويجعل الصراع في جوهره صراعاً على من يملك القدرة على تأمين مقومات البقاء.
تفرض هذه التحولات العميقة ضرورة صياغة مفهوم جديد للأمن في الشرق الأوسط يعيد النظر في المقاربات الكلاسيكية التي حصرت التهديدات في الجوانب العسكرية والحدودية، ويتطلب الانتقال من منطق الردع العسكري التقليدي وتكريس الموارد للجيوش وحدها إلى بناء الدولة المرنة بيئياً التي تدرك أن انهيار منظومات المياه أو الغذاء أو البيئة قادر على إسقاط الدول من الداخل بغض النظر عن قوتها العسكرية، وهو ما يستوجب دمج البعد البيئي في استراتيجيات الأمن القومي، وإنشاء خرائط لمخاطره، وتفعيل دبلوماسية إقليمية مشتركة لإدارة أحواض الأنهار والملفات المناخية العابرة للحدود، والتحول الجذري من إدارة الحروب ورد الفعل إلى إدارة المخاطر المناخية والوقاية منها واستدامة موارد المجتمعات.
في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتزايد فيه الحروب المركبة، لن تكون الدولة الأقوى هي الأكثر تسليحاً، بل الأكثر قدرة على حماية شروط الحياة داخل حدودها وإدارة مواردها بكفاءة وحماية استقرار مجتمعها في وجه أزمات المستقبل.