بين حكمة الملك وبأس الجيش .. الأردن الذي عبر العاصفة واقفًا
بهاء الشنتير
28-07-2026 04:53 PM
خمسة وتسعون تهديدًا سقطت من السماء، لكن هيبة الدولة الأردنية ارتفعت أعلى من كل الصواريخ والمسيّرات.
في تاريخ الأمم لحظاتٌ تُختبر فيها صلابة الدول، وتنكشف فيها معادن الرجال، وتظهر فيها قيمة القيادة حين تتلاطم الأمواج وتشتد العواصف. وفي خضم منطقة تعج بالصراعات والتحولات، وقف الأردن كما عرفه العالم دائمًا؛ ثابتًا كالسنديان، راسخًا كجذور الهاشميين في هذه الأرض، لا تهزه الرياح مهما اشتدت، ولا تنال من عزيمته الأخطار مهما تعاظمت.
لم تكن الأيام الماضية مجرد حدث عسكري عابر في سجل الدولة الأردنية، بل كانت امتحانًا حقيقيًا لقدرة الوطن على حماية سيادته وأمن شعبه وسط ظروف إقليمية بالغة التعقيد. وبينما كانت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة تشق طريقها في سماء المنطقة محملة برسائل النار والدمار، كان الأردن يكتب رسالة أخرى عنوانها القوة المنضبطة، والحكمة الراسخة، والسيادة التي لا تقبل المساومة.
خمسة وتسعون صاروخًا ومسيّرة تم التعامل معها بكفاءة واقتدار خلال ستة عشر يومًا فقط. خمسة وتسعون خطرًا كان يمكن أن يترك خلفه دموع أمهات، وقلق أطفال، ووجع أسر، وخسائر في الأرواح والممتلكات. لكن خلف كل عملية اعتراض ناجحة، كانت هناك عيون ساهرة، وعقول مدربة، وإرادة لا تعرف التردد، ورجال أقسموا أن يبقى الأردن آمنًا مهما بلغت التحديات.
غير أن هذه الملحمة الوطنية لا يمكن قراءتها بعيدًا عن قائد حمل الأردن في قلبه قبل أن يحمله على عاتقه؛ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، القائد الأعلى للقوات المسلحة.
ففي زمن الأزمات، تظهر قيمة القادة الكبار. وجلالة الملك عبدالله الثاني لم يكن يومًا قائدًا ينتظر الأحداث، بل صانعًا للمواقف، وقائدًا استشرف المخاطر قبل وقوعها، وعمل على بناء مؤسسة عسكرية أصبحت اليوم من أكثر المؤسسات احترافًا وجاهزية في المنطقة. وعلى مدى سنوات طويلة، قاد جلالته مشروعًا متواصلًا لتطوير القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، مؤمنًا بأن أمن الأردنيين ليس تفصيلًا في أجندة الدولة، بل هو جوهر الدولة نفسها.
لقد أدرك جلالته مبكرًا أن العالم يتغير، وأن طبيعة الحروب تتبدل، وأن حماية الوطن في القرن الحادي والعشرين تتطلب جيشًا متطورًا، وعقيدة راسخة، وقرارًا سياديًا مستقلًا. فكان الأردن، بقيادته الهاشمية، يبني بصمت، ويستعد بثبات، حتى جاءت لحظة الاختبار، فأثبتت الوقائع أن الرؤية كانت أبعد من اللحظة، وأن الاستثمار في الإنسان الأردني والمؤسسة العسكرية كان استثمارًا في أمن الوطن ومستقبله.
وحين ينظر الأردنيون اليوم إلى سمائهم الآمنة، فإنهم يرون ثمرة قيادة لم تدخر جهدًا في حماية الوطن، ويرون ملكًا لم يتعامل مع أمن الأردنيين باعتباره مسؤولية سياسية فحسب، بل باعتباره عهدًا شخصيًا وشرفًا وواجبًا مقدسًا.
وإلى جانب جلالة الملك، يبرز سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد المعظم، بوصفه الامتداد الطبيعي للنهج الهاشمي الذي صنع الدولة ورسخ مؤسساتها. فقد جسد سموه صورة القائد الشاب المؤمن بوطنه وجيشه، القريب من الميدان، الحاضر بين الجنود، الحامل لقيم الانتماء والولاء والعمل والعطاء. وفي حضوره الدائم بين أبناء القوات المسلحة رسالة واضحة بأن راية الأردن ستبقى مرفوعة جيلاً بعد جيل، وأن مدرسة الهاشميين في خدمة الوطن مستمرة بثبات وعزم.
أما الجيش العربي، فقد أثبت مرة أخرى أنه ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل قصة وطن تُروى كل يوم. جيشٌ لا ينتظر الشكر، ولا يبحث عن الأضواء، لكنه يقف حيث يجب أن يقف الرجال. ففي الوقت الذي كانت فيه الصواريخ تُرصد في السماء، كانت الحدود تشهد معركة أخرى ضد مهربي المخدرات والمتسللين، وكأن الوطن كله كان بين عيون رجال لا تعرف النوم، وقلوب لا تعرف إلا الواجب.
لقد أسقط الجيش الصواريخ، لكنه في الحقيقة أسقط معها رهانات كثيرة. أسقط وهم من ظن أن الأردن يمكن أن يُفاجأ. وأسقط أوهام من اعتقد أن هذا الوطن قد يتردد في الدفاع عن سيادته. وأسقط فكرة أن الدولة الأردنية يمكن أن تسمح لأي طرف بأن يحول أرضها أو سماءها إلى ساحة عبور أو ميدان صراع.
وهنا تكمن عظمة الإنجاز.
فالنجاح لم يكن في إسقاط خمسة وتسعين تهديدًا فقط، بل في أن الأردنيين واصلوا حياتهم الطبيعية. ذهبت الأسر إلى أعمالها، وذهب الطلبة إلى مدارسهم، واستمرت الحياة في مدن المملكة وقراها بثقة وطمأنينة، لأن هناك رجالًا كانوا يتولون المهمة الأصعب بعيدًا عن عدسات الكاميرات.
إن الأردن اليوم لا يحتفل بإسقاط الصواريخ فحسب، بل يحتفل بانتصار الدولة القوية، والقيادة الحكيمة، والمؤسسة العسكرية التي أثبتت أن قسم الولاء للوطن ليس كلمات تُقال، بل أفعال تُترجم في الميدان.
سلامٌ على عبدالله الثاني، القائد الذي جعل من أمن الأردنيين أولوية لا تسبقها أولوية.
وسلامٌ على الحسين بن عبدالله، وريث الراية الهاشمية وحامل أمانة المستقبل.
وسلامٌ على الجيش العربي، الذي كلما اشتدت العواصف حول الوطن، أثبت أنه الجبل الذي تتكسر عليه الأخطار.
فسيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية وجيشه العربي وشعبه الوفي، وطنًا يعبر العواصف واقفًا، ويخرج من التحديات أكثر قوة، ومن الأزمات أكثر تماسكًا، ومن المحن أكثر إيمانًا بأن رايته ستبقى خفاقة في سماء المجد والكبرياء.