عبودية الأشخاص .. وسقوط الفكرة
حسان سلطان المجالي
29-07-2026 01:00 AM
هناك عبارة شهيرة تقول : "الحر يدافع عن الفكرة مهما كان قائلها ، والعبد يدافع عن الشخص مهما كانت فكرته." وهي ليست مجرد حكمة عابرة ، بل هي معيار حقيقي يقيس مستوى الوعي والاستقلال الفكري داخل المجتمعات ، فالحر يحاكم الأفكار بمنطقها وأدلتها ، أما العبد فلا يرى إلا الشخص ، فإن أحبه قدّسه ، وإن كرهه رفض كل ما يقول ولو كان حقاً واضحاً .
مثل هذه الظاهرة لم تعد حالات فردية ، بل أصبحت سلوكاً عاماً تغذيه مواقع التواصل الاجتماعي التي حوّلت كثيراً من الأشخاص إلى أتباع يدافعون عن أشخاص قد يكونون وهميين أو مجهولين أو مجرد صانعي محتوى أتقنوا تسويق أنفسهم بعدما قدموا لهم وجبات متتابعة من المعلومات المضللة والشعارات الجوفاء ، فأصبح الولاء للشخص يسبق الولاء للحقيقة ، وأصبحت قيمة الفكرة تُقاس بعدد المتابعين والإعجابات ، لا بقوتها ومنطقها وأدلتها .
ولذلك تجد أن الغضب لا ينصب على الفكرة الخاطئة ، بل على كل من يجرؤ على نقد صاحبها ، فلا أحد يناقش الدليل ، ولا أحد يزن الحجة ، بل يتحول النقاش إلى معركة للدفاع عن الأشخاص وكأنهم فوق النقد والمساءلة ، وهنا تموت الفكرة ، ويولد التعصب ، ويتحول العقل إلى مجرد أداة لتبرير ما يقوله من تعلق به ، لا للبحث عن الحقيقة .
إن تضليل الشعوب والسيطرة على عقول الناس ليسا أمراً جديداً ، فالتاريخ مليء بمن استخدموا الإعلام والدعاية والخداع لتوجيه الرأي العام ، لكن الجديد اليوم هو أن أدوات التضليل أصبحت أسرع انتشاراً وأوسع تأثيراً ، وأن إقناع كثير من الناس بأنهم وقعوا ضحية لهذا التضليل أصبح أكثر صعوبة ، لأنهم لم يعودوا يدافعون عن فكرة ، بل يدافعون عن شخص ارتبطوا به نفسياً وعاطفياً حتى وإن ناقض الواقع والحقيقة والمنطق .
والأخطر من ذلك أن المجتمعات بدأت تعيش حالة من غياب الوعي العام خلقت إرباكاً فكرياً واسعاً ، وأضعفت قدرة الناس على التمييز بين الحقيقة والدعاية وبين المعلومة والرأي ، وبين التحليل والتضليل ، وهذا الفراغ لم ينشأ من فراغ ، بل كان نتيجة تقصير متراكم من الحكومات المتعاقبة في بناء الوعي العام ، وضعف أداء الإعلام الوطني في مواجهة حملات التضليل ، وغياب مشروع وطني جاد يعيد الاعتبار للعقل والمعرفة .
أعتقد أنه لا يمكن مواجهة هذا الواقع بالخطابات الانفعالية أو بالشعارات ، وإنما يحتاج إلى جهد وطني وقانوني منظم وعقلاني ينهض بمسؤوليته في كشف الحقيقة ، وتعزيز التفكير النقدي ، ومحاسبة مروجي التضليل وفق أحكام القانون ، مع تمكين أصحاب الفكر والعلم والخبرة من استعادة دورهم في قيادة الرأي العام بعد أن تركت الساحة طويلاً لمن يجيد الإثارة أكثر مما يجيد المعرفة .
إن الأمم لا تنهض عندما يتحول الناس إلى أتباع للأشخاص ، بل تنهض عندما يصبح ولاؤهم للحقيقة وحدها ، فالأشخاص يخطئون ويصيبون ، أما الفكرة الصحيحة فتبقى صحيحة مهما كان قائلها ، والفكرة الباطلة تبقى باطلة مهما علا شأن من يرددها ، ومن هنا يبدأ الفرق بين مجتمع يقوده العقل ، ومجتمع تقوده الأصنام البشرية التي لا تقبل نقاشاً ولا تسمح بنقد .
والله المستعان .