أم قيس… حين يبقى التاريخ ينتظر من ينصفه
مهند الهندي - دبي
29-07-2026 10:43 AM
رسالة مفتوحة إلى معالي وزير السياحة والآثار
في كل دولة تحترم تاريخها، تتحول الآثار إلى قوة اقتصادية، ورسالة حضارية، وجسر يربط الماضي بالمستقبل. أما في الأردن، فإننا نملك إرثًا حضاريًا يعد من الأغنى في العالم، لكنه ما زال بحاجة إلى مزيد من العناية والاستثمار، ليأخذ مكانته التي يستحقها على خارطة السياحة العالمية.
كانت زيارتي إلى مدينة أم قيس، أو “جدارة” كما عرفتها كتب التاريخ، تجربة لا تشبه غيرها. فمن يقف على قممها، ويشاهد امتداد بحيرة طبريا ووادي اليرموك وهضبة الجولان، يدرك أنه أمام لوحة رسمها الخالق، ثم زينتها الحضارات المتعاقبة عبر آلاف السنين.
هناك، شعرت بالفخر… لكنني غادرت وأنا أحمل في قلبي كثيرًا من التساؤلات.
خلال الزيارة، أخبرني أحد العاملين في الموقع بأن ما جرى اكتشافه من آثار لا يمثل سوى جزء محدود، وأن الجزء الأكبر ما يزال يرقد في باطن الأرض، بانتظار المزيد من أعمال التنقيب. وإذا كانت هذه المعلومة دقيقة، فنحن لا نتحدث عن موقع أثري عادي، بل عن كنز عالمي ما زال يخفي أسراره.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل وفرنا لهذا الكنز ما يستحقه من اهتمام؟
ما شاهدته في متحف أم قيس يدعو إلى التوقف. فقد توقعت أن أرى القطع الأثرية محفوظة داخل خزائن زجاجية حديثة، وفي بيئة متحفية متكاملة تحافظ عليها من عوامل الحرارة والرطوبة والغبار، كما هو معمول به في المتاحف العالمية. فالآثار ليست مقتنيات عادية، وإنما وثائق حية تروي قصة وطن وحضارات مرت من هنا.
كما أن المرافق المخصصة لاستقبال الزوار بحاجة إلى تطوير واضح. فهناك حاجة إلى قاعات أكثر راحة، وتوزيع أفضل للإنارة، وأنظمة تكييف مناسبة، ومناطق استراحة تليق بالزائر المحلي والسائح القادم من مختلف أنحاء العالم. فمن الصعب أن يستمتع الزائر بتفاصيل التاريخ وهو يواجه حرارة مرتفعة أو خدمات لا ترتقي إلى مستوى قيمة المكان.
إن تجربة السائح لا تقاس بجمال الموقع وحده، بل بجودة الخدمات التي تحيط به. وكل انطباع إيجابي ينقله السائح إلى العالم هو أفضل حملة ترويجية للأردن، والعكس صحيح.
رسالتي اليوم إلى معالي وزير السياحة والآثار ليست رسالة انتقاد، بل رسالة محبة ومسؤولية. رسالة مواطن أردني يؤمن بأن السياحة ليست ترفًا، وإنما قطاع اقتصادي قادر على توفير فرص العمل، واستقطاب الاستثمارات، وإدخال العملات الأجنبية، وتعزيز مكانة الأردن عالميًا.
لقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني، وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، في أكثر من مناسبة أهمية إبراز الصورة الحضارية للأردن، واستثمار ما يملكه الوطن من مقومات سياحية وتاريخية. ومن هنا، فإن تطوير المواقع الأثرية، وتأهيلها، والتوسع في أعمال التنقيب، وتحسين الخدمات اللوجستية، يجب أن يكون جزءًا من رؤية وطنية شاملة.
إن أم قيس لا تحتاج إلى معجزة… بل تحتاج إلى مشروع تطوير يليق بعظمتها.
تحتاج إلى مزيد من أعمال التنقيب، وإلى متحف حديث يواكب المعايير العالمية، وإلى وسائل عرض تحفظ القطع الأثرية، وإلى بنية تحتية تجعل الزائر يعيش تجربة لا ينساها. فكل دينار يُستثمر في هذا القطاع سيعود أضعافًا على الاقتصاد الوطني، وسيجعل من الأردن مقصدًا سياحيًا أكثر حضورًا وتأثيرًا.
أكتب هذه الكلمات لأنني أحب هذا الوطن، وأؤمن أن الحفاظ على آثاره مسؤولية وطنية قبل أن تكون مسؤولية حكومية. فهذه الكنوز ليست ملكًا لجيل واحد، بل إرث للأجيال القادمة، ورسالة حضارية يجب أن تبقى شاهدة على عظمة الأردن.
ويبقى السؤال الذي أضعه أمام معالي وزير السياحة والآثار، وأمام كل من يحمل مسؤولية هذا القطاع:
هل تبقى أم قيس كنزًا ينتظر تحت التراب… أم يحين الوقت لتكون إحدى أعظم الوجهات الأثرية والسياحية في الشرق الأوسط؟