facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التعليم العالي والجامعات بعد الذكاء الاصطناعي


د. علي الروضان
30-07-2026 04:16 PM

فرض الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي على مؤسسات التعليم العالي إعادة النظر في عدد من المفاهيم التي استقرت لسنوات، وفي مقدمتها أساليب التعليم والتقييم والنزاهة الأكاديمية. ولم يعد النقاش يقتصر على السماح باستخدام هذه الأدوات أو منعها، بل امتد إلى سؤال أكثر أهمية: هل ما زالت أساليب التقييم الجامعي تقيس المعرفة والمهارات التي يحتاجها الخريج فعلًا؟

يستطيع الطالب اليوم إعداد تقرير، أو تلخيص مادة علمية، أو تحليل مسألة، أو كتابة برنامج حاسوبي، أو تجهيز مسودة أولية لبحث خلال دقائق. ومع هذه الإمكانات، انشغل جانب كبير من النقاش بمحاولة معرفة ما إذا كان الطالب قد أنجز العمل بنفسه أم استعان بالذكاء الاصطناعي. لكن السؤال الأعمق هو: ماذا كان هذا الواجب يقيس من الأساس؟

إذا كانت أداة متاحة للجميع تستطيع إنجاز واجب كامل، فمن الضروري مراجعة تصميم الواجب والمهارات التي يُفترض أن يقيسها. فقد أظهر الذكاء الاصطناعي أن بعض أساليب التقييم كانت تقيس استرجاع المعلومات أو إنتاج إجابة متوقعة، أكثر مما تقيس الفهم العميق، والتفكير التحليلي، والقدرة على التطبيق، والحكم المهني، وتحمل المسؤولية عن النتيجة.

وتؤكد الأرقام أن استخدام هذه الأدوات لم يعد حالات فردية. فقد أظهرت نتائج الدراسة السنوية لعام 2026 التي أجراها معهد سياسات التعليم العالي في بريطانيا أن 95 في المئة من الطلبة الجامعيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بصورة أو بأخرى، وأن 94 في المئة يستعينون بالذكاء الاصطناعي التوليدي في أعمال تدخل ضمن التقييم. ورغم أن النسب قد تختلف من دولة إلى أخرى، فإن الاتجاه واضح؛ فقد تغيرت بالفعل طريقة تعلم الطلبة وإعدادهم للأعمال الأكاديمية.

ولهذا، لا يمثل المنع الشامل خيارًا واقعيًا، كما أن الاستخدام المفتوح دون ضوابط ليس خيارًا مسؤولًا. المطلوب هو نموذج يتيح للطالب الاستفادة من التقنية، مع بقائه مسؤولًا عن فهم ما يقدمه، ودقة المعلومات الواردة فيه، والطريقة التي توصل بها إلى النتيجة.

وهنا يجب التمييز بين استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم التعلم، واستخدامه بديلًا عن تفكير الطالب. فعندما يستعين الطالب بالأداة لشرح مفهوم، أو تنظيم أفكاره، أو إعداد أسئلة تدريبية، أو مراجعة مسودة، فقد يسهم ذلك في تحسين التعلم. أما عندما يسلّم مخرجاتها كما هي، دون فهم أو تحقق أو إضافة شخصية، فإنه يتنازل عن الهدف الأساسي من العملية التعليمية. فالمشكلة ليست في استخدام الأداة، بل في تسليم التفكير إليها.

ومن هنا، يجب الانتقال من سؤال: هل استخدم الطالب الذكاء الاصطناعي؟ إلى أسئلة أكثر أهمية: هل فهم ما قدّمه؟ وهل يستطيع تفسير اختياراته؟ وهل تحقق من دقة المخرجات؟ وهل يستطيع اكتشاف الأخطاء أو التحيزات فيها؟ وهل يمكنه تطبيق المعرفة على حالة جديدة والدفاع عن عمله أمام أستاذه أو فريقه أو جهة عمله؟

هذه الأسئلة تمثل جوهر التعليم الجامعي، وتعكس في الوقت نفسه ما تحتاج إليه المؤسسات من الخريج. فالقدرة على توليد إجابة لم تعد كافية، لأن الأدوات الذكية تستطيع القيام بذلك بسرعة، بينما تكمن القيمة الحقيقية للخريج في قدرته على تحديد المشكلة، وتحليل السياق، وتقييم البدائل، والتحقق من النتائج، واتخاذ القرار المناسب.

ولا يمكن التعامل مع هذا التغير بالاعتماد على برامج كشف المحتوى المولّد وحدها، خصوصًا أن دقتها ما تزال محدودة وقد تقود إلى أحكام غير صحيحة. كما أن تحويل العلاقة بين الطالب والأستاذ إلى عملية مراقبة مستمرة يضعف الثقة دون أن يعالج أصل المشكلة. والحل الأكثر استدامة يبدأ بسياسة مؤسسية واضحة تحدد الاستخدام المسموح، والاستخدام الذي يتطلب الإفصاح، والاستخدام غير المسموح، وفق طبيعة المساق والمهمة.

وفي الأردن، اتخذت الجامعة الأردنية خطوة مهمة في هذا الاتجاه، باعتماد تعليمات تنظم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المجالات التعليمية والبحثية والإدارية، وتصنيف الاستخدام إلى ثلاثة مستويات. وتمثل هذه الخطوة انتقالًا مهمًا من الاجتهادات الفردية إلى الحوكمة المؤسسية الواضحة. لكن قيمة التعليمات لا تتوقف عند إصدارها، بل تظهر عند ترجمتها إلى ممارسات داخل المساقات، وإعادة تصميم التقييمات، وتنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس، ورفع وعي الطلبة بمسؤوليتهم عن الأعمال التي يقدمونها.

وقد لا يُسمح باستخدام الذكاء الاصطناعي في اختبار يقيس قدرة أساسية يجب أن يمتلكها الطالب بنفسه، بينما يكون استخدامه مسموحًا، وربما مطلوبًا، في مشروع يحاكي بيئة العمل الفعلية. وفي الحالتين، يجب أن يعرف الطالب مسبقًا ما هو متوقع منه، وما الأدوات التي يجوز له استخدامها، وكيف سيُقيّم عمله. ويمكن كذلك اعتماد الإفصاح عن طبيعة استخدام هذه الأدوات وكيفية التحقق من مخرجاتها، ليصبح استخدامها جزءًا واضحًا من عملية التعلم والتقييم، لا ممارسة خفية يصعب ضبطها.

ويتطلب ذلك إعادة تصميم التقييم بحيث لا يعتمد على المنتج النهائي وحده، بل يشمل مراحل العمل، والمسودات، والمراجع المستخدمة، والقرارات التي اتخذها الطالب أثناء تنفيذ المهمة. كما ينبغي تعزيز المناقشات الشفوية والدفاع عن المشروعات، لأن دقائق من الحوار المباشر قد تكشف مستوى الفهم بدقة أكبر من صفحات مكتوبة. وينبغي أن تتجه التقييمات نحو مسائل تطبيقية تقيس قدرة الطالب على الفهم والتحليل واتخاذ القرار، لا مجرد الوصول إلى إجابة تستطيع الأداة توليدها بسهولة.

ويعتمد نجاح هذا التوجه بصورة أساسية على تمكين أعضاء هيئة التدريس؛ فلا يمكن إعادة تصميم المساقات والتقييمات، ومتابعة تطور الأدوات، ووضع ضوابط استخدامها، دون توفير التدريب والدعم الفني والوقت اللازم. وأي سياسة مؤسسية لا تضع تنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس في صميمها ستبقى محدودة الأثر.

كما يجب ألا تبقى كفايات الذكاء الاصطناعي محصورة في طلبة تخصصات الحاسوب. فخريجو الطب والقانون والإدارة والإعلام والهندسة والتعليم وغيرها من التخصصات يحتاجون إلى كفايات تتناسب مع مجالاتهم، تمكّنهم من فهم قدرات الأنظمة الذكية وحدودها، والتحقق من مخرجاتها، وحماية البيانات، وإدراك المخاطر الأخلاقية، والمحافظة على الحكم البشري في القرارات المؤثرة. ولا يعني ذلك تحويل جميع الطلبة إلى مبرمجين، بل إعدادهم للعمل في بيئات مهنية أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا منها.

وترتبط هذه المسألة مباشرة بسوق العمل. فصاحب العمل لن يبحث فقط عن خريج يعرف كيف يستخدم أداة متاحة للجميع، بل عن شخص يستطيع تحديد المشكلة الصحيحة، وصياغة المهمة بدقة، ومراجعة النتائج، واكتشاف الخطأ، وحماية بيانات المؤسسة، والعمل ضمن فريق، وتحمل مسؤولية القرار النهائي. ويتوقع أصحاب العمل، وفق تقرير «مستقبل الوظائف 2025»، أن تتغير 39 في المئة من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل بحلول عام 2030، ما يجعل تطوير التعليم والتقييم قرارًا اقتصاديًا وتنمويًا، وليس شأنًا أكاديميًا داخليًا فقط.

ومن هنا، يتطلب التعامل مع الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي رؤية مؤسسية متكاملة تشمل الحوكمة، وتصميم البرامج، وسياسات التقييم، وتنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس، وحماية البيانات، وتطوير البنية الرقمية، وبناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص. وهذا ملف ينبغي أن يكون ضمن أولويات رؤساء الجامعات ومجالس الأمناء والجهات التنظيمية والقيادات التنفيذية، لأنه يرتبط مباشرة بنوعية رأس المال البشري الذي سيدير مؤسساتنا في المرحلة المقبلة.

أما التحدي الحقيقي أمام الجامعات، فلا يتمثل في منع الذكاء الاصطناعي، بل في إعادة تصميم التعليم والتقييم بما يضمن بقاء الفهم والتفكير والمسؤولية في صميم العملية التعليمية. فالجامعة الأقوى ليست التي تستخدم أدوات أكثر، بل التي تُعدّ خريجًا قادرًا على استخدامها بوعي وكفاءة ومسؤولية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :