هل يكون نموذج جنوب إفريقيا بديلاً لـ "حل الدولتين" في فلسطين؟
داود عمر داود
30-07-2026 06:34 PM
"سكوت ريتر" يعبر عن رأي الدولة العميقة:
جاءت مطالبة ضابط الاستخبارات الأمريكي الشهير السابق، سكوت ريتر، بـ "وضع حد لوجود إسرائيل" لتلفت النظر إلى تطورات خطيرة تبدو قادمة في الأُفق. فقد ذاع صيت "ريتر" عندما عمل مفتشاً عن أسلحة الدمار الشامل، المزعومة في العراق، في الفترة من 1991 لغاية 1998، ضمن فريق الأمم المتحدة. وكانت تقارير "ريتر" هي التي استندت إليها الولايات المتحدة لتبرير احتلالها للعراق، عام 2003، رغم أنه ثبت لاحقاً أنها كانت تقارير مزورة وغير صحيحة.
لكن هذه الشخصية المتلونة ظهرت فيما بعد كشخصية ناقدة ومعارضة لسياسة أمريكا في العراق والمنطقة. وقد اكتسب "ريتر" شهرةً واسعة من خلال تركيزه على الظهور بمظهر المعارض لسياسات بلاده في الشرق الأوسط عموماً.
مواقع التواصل الاجتماعي أكبر أداة تجسس في تاريخ البشرية:
وبما أننا نعيش الآن في عالم لم ينحصر التجسس فيه على إرسال عملاء إلى الميدان، والتخفي خلف شخصيات وهمية، وحمل جوازات سفر مزورة، وأسماء غير حقيقية، وغير ذلك، فإن وسائل التواصل الاجتماعي برزت كأكبر جاسوسٍ في التاريخ البشري.
فمثلا تظهر شخصية ما على مواقع التواصل يدعي صاحبها أنه يؤيد القضية الفلسطينية، فينهال بكل براءة ملايين المؤيدين للقضية الفلسطينية، على طلب صداقته ومتابعة حساباته. ثم تبدأ الأجهزة بتدوين أسماء متابعيه والتعرف عليهم، وتحليل توجهاتهم وشخصياتهم، وتقديم التقارير بذلك. فليس كل من ظهر مؤيداً للعرب والمسلمين، أو قضية فلسطين، هو مخلص بجد، بل ربما يكون جاسوساً مدسوساً يعمل لصالح الأجهزة العالمية المكلفة بمراقبة توجهات المجتمعات، كي تبتدع الأساليب للتأثير عليها، وتغيير طريقة تفكيرها.
رجل الاستخبارات يظل مخلصاً للدولة العميقة:
ومن المعروف أن رجل الاستخبارات، أينما كان، يبقى مخلصاً للجهة التي عمل معها، حتى بعد تقاعده. ومن هنا يكتسب تصريح "سكوت ريتر"، الذي طالب فيه بإزالة إسرائيل الأهمية. فمن المرجح أن مطالبته بـ "وضع حد لوجود إسرائيل"، لا يعكس رأيه شخصياً، بل ربما يعكس رأي الدولة العميقة في بلاده، التي فشلت في "تحجيم" إسرائيل، على مدار ثمانية عقود مضت. وبالتالي فشلت في أن تفرض على إسرائيل القبول بـ "حل الدولتين" لغاية اليوم.
لذلك يبدو أن الولايات المتحدة لم تجد أخيراً سوى استدعاء حلولٍ مجربة، في مناطق اخرى، لتعالج بها قضية فلسطين، غير "حل الدولتين" المفضل لديها. لكن تلك الحلول كانت موضوعة على الرف، على أمل نجاح واشنطن في تطبيق "حل الدولتين". وعليه يمكن الاستنتاج أن مطالبة "ريتر" بإزالة إسرائيل لم يمكن اجتهاداً شخصياً منه، أو موقفاً فردياً من طرفه، بل انعكاس لما يدور خلف كواليس منظومة الحكم في الولايات المتحدة.
تخلي واشنطن عن "حل الدولتين" واستحضار نموذج جنوب إفريقيا كبديل:
لذلك يُعتبرُ تصريحُ "ريتر"، رجل الاستخبارات الأمريكي الكبير السابق، والخبير في شؤون المنطقة، تحولاً خطيراً في سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل. فمنذ تأسيس الكيان كانت السياسة الأمريكية تقوم على السعي لـ "تحجيم إسرائيل"، وكبح جماحها، والحيلولة دون تمدد نفوذها، ثم فرض "حل الدولتين" عليها. أم الآن فيبدو أن التوجه الأمريكي، لحل القضية الفلسطينية، انتقل إلى استحضار نموذج الحل الذي جرى تطبيقه في جنوب إفريقيا، قبل أكثر من ثلاثة عقود، حين جرى استبدال "نظام الفصل العنصري" بنظام ديمقراطي، شمل كافة الأعراق من بيض وسود وغير ذلك، تتولى الرئاسة فيه الأغلبية السوداء.
لقد استغرق 4 سنوات لاستبدال نظام "الأبارتايد" العنصري والانتقال إلى نظام جديد، 1990-1994. بدأت الإجراءات أوائل عام 1990 بإطلاق سراح "نيلسون مانديلا"، الزعيم الأسود المناهض للنظام العنصري، بعد أن أمضى أكثر من ربع قرنٍ في السجن. وتزامن ذلك مع رفع الحظر عن الحركات السوداء المعارضة للنظام. ثم جرى إلغاء القوانين الأساسية لدولة جنوب إفريقيا، وإلغاء القوانين العنصرية، تلاها إجراء انتخابات شاملة، شاركت فيها جميع الأعراق في البلاد، كانت نتيجتها فوز نيلسون مانديلا بمنصب الرئيس.
استبدال "دولة إسرائيل" بنموذج نظام جنوب إفريقيا:
تتشابه جنوب إفريقيا وفلسطين في عدة أوجه: إذ تعرض كلا الشعبين إلى استعمار استيطاني، ونظام فصل عنصري، واحتلال أراضي. كما أن التجربتين قامتا على تهجير أصحاب البلاد، والتفرقة العرقية بينهم وبين المستوطنين الغربيين البيض، وتعرض الشعبين لسياسات القمع، وإصرارهما على مقاومة الظلم والتمسك بحقوقهما. إضافة إلى أن الدولة الاستعمارية التي احتلت كلاً منهما هي نفسها بريطانيا.
الخلاصة: التشابه بين مانديلا ومروان البرغوثي:
وهناك وجه آخر للتشابه بين شعب فلسطين وشعب جنوب إفريقيا. فقد كان نيلسون مانديلا أبرز رمز وطني، ومناضلاً ضد نظام الفصل العنصري، وأصبح أول رئيسٍ أسود للبلاد. وأمضى في السجون 27 عاماً، ثم خرج ليقود المصالحة الوطنية، وفترة الانتقال السياسي، ثم أُُنتخب رئيساً.
أما في فلسطين، فهناك من تشبه تجربته تجربة مانديلا، وهو مروان البرغوثي المناضل والسياسي الفلسطيني البارز، واحد الرموز القيادية، والذي ما زال في سجون الاحتلال منذ 24 سنة. وبالاضافة إلى أن البرغوثي يلاقي قبولاً على المستوى الفلسطيني، فإنه يبدو أنه يلاقي قبولاً على المستوى الدولي أيضاً.
إذ نظم مؤيدون للقضية الفلسطينية، مؤخراً، حملة عالمية للإفراج عن البرغوثي، وأقاموا فعالية لدعم الأسرى في سجون الاحتلال، ونصبوا تمثالاً رمزياً له، في ساحة البرلمان، وسط لندن. لكن الشرطة البريطانية أزالت التمثال بذريعة عدم وجود إذن رسمي ببقائه في الساحة.
لقد كانت تجربة نلسون مانديلا، أن خرج من السجن الى قصر الرئاسة في جنوب إفريقيا، ليحكم المستعمرين البيض والسود المضطهدين. فهل تتكرر ذات التجربة مع مروان البرغوثي، بحيث يخرج من السجن الى دار الرئاسة في القدس، ليحكم العرب واليهود معا، تماماً كما رتبت القوى الدولية لمانديلا؟؟