الاردن في مواجهة الهجمات الإيرانية .. دبلوماسية تحمي السيادة وتمنع الانزلاق إلى الحرب
أ.د عيسى الشلبي
31-07-2026 12:05 AM
في إقليمٍ تتسارع فيه الأزمات وتتشابك فيه خطوط الصراع، يقف الأردن أمام اختبار جديد يؤكد مرة أخرى أن الدبلوماسية الأردنية ليست مجرد أداة لإدارة الأزمات، بل جزء أساسي من منظومة حماية الدولة وصون أمنها الوطني وسيادتها. فمع تكرار الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة ولغاية اليوم، تعاملت عمّان مع التطورات بمنهج يجمع بين الحزم في حماية الأجواء والأراضي الأردنية، والهدوء في إدارة المواقف السياسية، والفاعلية في التحرك العربي والدولي، بعيداً عن الانجرار إلى مواجهة لا تخدم مصالح المملكة ولا أمن المنطقة
لقد كان الموقف الأردني بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني واضحاً منذ اللحظة الأولى: أمن الأردن وسيادته ليسا مجالاً للمساومة، وأجواء المملكة وأراضيها ليست ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية وتصفية الحسابات. وفي الوقت الذي تقوم فيه القوات المسلحة الأردنية بدورها في اعتراض التهديدات وحماية المواطنين، تتحرك الدبلوماسية الأردنية على مسارات متوازية لتوضيح خطورة الاعتداءات، وحشد الموقف العربي والدولي الرافض لانتهاك سيادة المملكة، والدفع باتجاه وقف التصعيد والعودة إلى الحلول السياسية وتكمن أهمية التحرك الأردني في أنه لم يتعامل مع الهجمات الإيرانية باعتبارها أزمة ثنائية بين عمّان وطهران، بل وضعها في إطار أوسع يتعلق بأمن المنطقة واستقرارها واحترام قواعد القانون الدولي. ومن هنا، كثفت المملكة اتصالاتها مع الدول العربية، ولا سيما دول الخليج، مؤكدة أن أمن الدول العربية مترابط، وأن أي اعتداء على دولة عربية يمثل تهديداً لمنظومة الأمن الإقليمي بأكملها.
كما تحرك الأردن عبر الأطر العربية والدولية لترسيخ موقف يقوم على إدانة الاعتداءات، ورفض استخدام القوة ضد الدول ذات السيادة، والتأكيد على حقها في حماية أراضيها ومواطنيها وفي هذا السياق، تبدو الدبلوماسية الأردنية أمام معادلة دقيقة: أن تكون حازمة من دون أن تكون تصعيدية، وأن تدافع عن السيادة من دون أن تنجر إلى حرب مفتوحة، وأن تحافظ على قنوات الاتصال والحوار في الوقت الذي ترفض فيه أي انتهاك لحدودها. وهذه المعادلة تعكس واحدة من أبرز سمات السياسة الخارجية الأردنية، القائمة على الاعتدال والانفتاح والحوار، مع وضوح الخطوط الحمراء عندما يتعلق الأمر بالأمن الوطني والسيادة ولقد أثبتت التطورات أن القوة العسكرية والدبلوماسية الأردنية تعملان ضمن منظومة واحدة؛ فاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة يمثل خط الدفاع الأول عن المملكة، بينما يمثل التحرك الدبلوماسي خط الدفاع السياسي الذي يمنع عزل الأردن أو تحويله إلى طرف منخرط في حرب إقليمية واسعة. وتزداد أهمية هذا الدور في ظل موقع الأردن الجغرافي الذي يضعه في قلب منطقة تتقاطع فيها أزمات متعددة، من القضية الفلسطينية إلى التوترات الإيرانية ـ الإسرائيلية وتداعياتها على دول المنطقة واللافت في المقاربة الأردنية أنها لا تكتفي بإدانة الهجمات، وإنما تربط بين وقف الاعتداءات والحاجة إلى معالجة جذور الأزمات التي تنتج الصراعات. فعمّان تدرك أن الرد العسكري، مهما بلغت ضرورته في حماية الأمن، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن الحل السياسي، وأن استمرار التصعيد سيقود إلى مزيد من الفوضى وتهديد حركة التجارة والطاقة والملاحة والاستقرار الاقتصادي لدول المنطقة ومن هنا، تكتسب الدبلوماسية الأردنية بقيادة جلالة الملك أهمية استثنائية؛ فالمملكة لا تمتلك أدوات القوة التي تمتلكها الدول الكبرى، لكنها تمتلك رصيداً سياسياً ودبلوماسياً متراكماً، وشبكة علاقات عربية ودولية واسعة، فضلاً عن خطاب سياسي يحظى بقدر من المصداقية بسبب ثباته وابتعاده عن المغامرة والمواقف المتقلبة.
وقد مكّن ذلك الأردن من الحفاظ على موقعه كطرف فاعل في النقاشات الإقليمية، لا كطرف في الصراع إن الرسالة الأردنية التي تتبلور في هذه المرحلة تبدو واضحة: الأردن لا يريد الحرب، لكنه مستعد للدفاع عن نفسه؛ ولا يسعى إلى التصعيد، لكنه لن يقبل الاعتداء؛ ويدعو إلى الحوار، لكنه لا يساوم على سيادته. وهذه ليست معادلة مؤقتة فرضتها الأزمة الحالية، بل امتداد لنهج أردني راسخ يرى أن حماية الدولة تتحقق بتكامل أدوات القوة الوطنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والدبلوماسية النشط ةوفي مواجهة الهجمات الإيرانية، تبرز الدبلوماسية الأردنية اليوم كأداة استراتيجية لحماية المصالح الوطنية ومنع اتساع دائرة الصراع، كما تبرز قدرة عمّان على تحويل موقعها الجغرافي الحساس من مصدر للمخاطر إلى مساحة للتأثير السياسي. وبينما تستمر الأزمات في الإقليم، يبدو أن الاختبار الحقيقي للأردن لن يكون فقط في قدرته على اعتراض الصواريخ، وإنما أيضاً في قدرته على بناء مظلة سياسية ودبلوماسية تحول دون تكرارها.
.
إن قوة الأردن لا تكمن في امتلاك ترسانة عسكرية ضخمة، وإنما في قدرته على الجمع بين صلابة الدولة وحكمة الدبلوماسية، وبين حماية الحدود والانفتاح على الحلول، وبين الدفاع عن السيادة والعمل من أجل الاستقرار. وفي منطقة اعتادت أن تنتقل فيها الأزمات من جبهة إلى أخرى، يثبت الأردن مرة أخرى أن الدبلوماسية حين تكون مدعومة بإرادة سياسية واضحة ومؤسسات وطنية قوية، تصبح سلاحاً لا يقل أهمية عن أي وسيلة دفاع أخرى.
حفظ الله الوطن وقائد الوطن والشعب الأردني العزيز من كل مكروه