حكاية مدينتي: السلط .. ذاكرة المكان وصناعة الرجال
جعفر الخشمان
01-08-2026 09:33 AM
نجتمع اليوم لنؤكد عهدنا ومواثيقنا لمدينة السلط، لتبقى كما كانت عبر العصور والقرون حاضرة البلقاء والأردن العامرة، مدينة التاريخ والعلم والرجال.
فالسلط ليست مجرد مدينة، بل هي حكاية حضارة ممتدة، وأمانة في أعناق أبنائها، مدينة تعاقبت عليها حضارات وأمم تركت بصماتها في حجارتها وتراثها، من العمونيين والكنعانيين والآراميين والعرب، حتى أصبحت شاهدًا حيًا على عمق التاريخ الأردني وأصالته.
إن مسؤوليتنا تجاه السلط هي مواصلة إعمارها وخدمتها، والحفاظ على إرثها العظيم، وأن نبقى أوفياء لهذه المدينة التي أعطت الأردن الكثير من أبنائها المخلصين الذين حملوا راية العلم والعمل والعطاء.
وبثقة أهل السلط الكرام، وبعزيمة أبنائها، سنواصل المسيرة لخدمة مدينتنا ووطننا الحبيب، لتبقى السلط مدينة تليق بتاريخها المجيد ومكانتها المميزة في قلوب الأردنيين، ولتجدها الأجيال القادمة بإذن الله أكثر جمالًا وازدهارًا مما كانت عليه.
فالسلط وأهلها كانوا على الدوام أوفياء لمدينتهم ولمملكتهم ومليكهم، وكان لهم دور رائد في بناء الدولة الأردنية في مختلف الميادين، من رجال الدولة إلى رجال الأعمال، والأطباء، والمهندسين، والمعلمين، وكل أصحاب المهن الذين ساهموا في نهضة الوطن.
ومن أجمل حكايات السلط حكاية أحيائها القديمة، ومنها الجدعة، ذلك الحي الذي يحمل في حجاراته الصفراء الذهبية ذاكرة أجيال وحكايات لا تنتهي.
وتروي الحكاية الشعبية أن امرأة عاشت في أحد أحياء السلط توفي زوجها، وكان له حق عند أحد رجال الحي المعروفين بالقوة والشدة.
ورغم صعوبة الموقف، استطاعت هذه المرأة أن تأخذ حقها بعزمها وقوتها، فأصبح الناس يتحدثون عن شجاعتها، وأطلقوا عليها لقب "الجدعة"، وبقي الاسم مرتبطًا بالحي وأهله حتى يومنا هذا.
فالجدعة ليست مجرد مكان، بل هي تاريخ سلطي نابض بالحياة. فمن ينظر إليها من مدخل المدينة، وخاصة في المساء، قد يظنها بناءً واحدًا أو فندقًا كبيرًا، بسبب تلاصق بيوتها الحجرية وتقاربها، وهو مشهد يعكس قوة الترابط الاجتماعي والمحبة بين أهلها.
ويتميز أهل الجدعة بعادة أصيلة ما زالت حاضرة حتى اليوم؛ وهي قوة العلاقات الاجتماعية التي تجمعهم، حيث يقفون معًا في الأفراح والأحزان، وكأنهم عائلة واحدة، وانتقلت هذه الروح الجميلة من جيل إلى جيل.
وكانت الجدعة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي مقرًا لعدد من أساتذة وطلاب مدرسة السلط الثانوية، تلك المدرسة التي كانت ولا تزال منارة للعلم، و"أم الأوائل" التي خرجت أجيالًا من أبناء الوطن. فمن مقاعدها تخرج رجال الدولة، والقيادات، والعلماء، والأطباء، والمهندسون، والمعلمون، ورجال الأعمال، الذين حملوا رسالة العلم وخدمة الأردن.
إن مدرسة السلط الثانوية لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت مدرسة لصناعة الشخصية وبناء الإنسان، غرست في طلابها قيم الانتماء والمسؤولية والتميز، فكان خريجوها عنوانًا للعطاء في مختلف مواقع العمل والبناء الوطني.
هذه هي حكاية مدينتي السلط؛ حكاية الحجر والإنسان، حكاية التاريخ والعلم، حكاية الأحياء التي حفظت الذاكرة، والمدارس التي صنعت الرجال.
ستبقى السلط شامخة بإذن الله، تعطي للأردن وأبنائه ما يليق بمدينة عريقة عظيمة، وبأهلها الذين كانوا وسيبقون رمزًا للأصالة والوفاء.
مني كل الشكر والاحترام.