facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بطولات المسؤولين السابقين!


01-08-2026 12:43 PM

الأصل في العمل العام أن يكون رسالةً قبل أن يكون وظيفة، وأن يؤدي المسؤول أو الموظف واجبه بأمانة وإخلاص ونزاهة، واضعًا المصلحة العامة فوق كل اعتبار. ففي عالم الاقتصاد تُقاس النجاحات بالإنتاج والدخل والنمو، أما في الإدارة العامة فتُقاس بقدرة المسؤول على خدمة المجتمع، وتعزيز مؤسسات الدولة، وترك أثرٍ إيجابي يجعل الوطن أكثر قدرة على النهوض، وأكثر استقرارًا وازدهارًا للأجيال القادمة.

فالعمل العام ليس وجاهة اجتماعية، ولا وسيلةً لتحقيق المكاسب الشخصية، ولا محطةً لجمع الامتيازات، بل هو تكليفٌ ومسؤولية، وأمانةٌ يُسأل عنها صاحبها أمام ضميره، ثم أمام وطنه، وأخيرًا أمام التاريخ.

وعلى امتداد تاريخ الدولة الأردنية الحديثة، عرفنا رجال دولة حملوا هذه الأمانة بصدق، فأنجزوا وأخلصوا وتركوا بصماتٍ خالدة. كما عرفنا مسؤولين وجدوا أنفسهم في لحظة اختلافٍ جوهري مع رؤسائهم أو مع السياسات التي طُلب منهم تنفيذها، فاختاروا الانسحاب بشرف، ورفضوا أن يكونوا شركاء في قرارات لا يقتنعون بها. غادروا مواقعهم بهدوء، واتجهوا إلى القطاع الخاص فأبدعوا، ثم عاد بعضهم إلى الخدمة العامة أكثر خبرةً ونضجًا، لأنهم امتلكوا المعرفة والشجاعة والكفاءة التي تؤهلهم للعودة بثقة واحترام. وهذه النماذج ليست استثناءً، بل عرفتها الأردن، كما عرفتها دول كثيرة حول العالم.

وما يثير الأسف حقًا أن نرى بعض المسؤولين السابقين يعتلون المنابر بعد مغادرتهم مواقعهم، فلا يحدثون الناس عن إنجازٍ يُحسب لهم، أو إصلاحٍ قادوه، أو قرارٍ شجاعٍ انتصر للمصلحة الوطنية، وإنما ينصرف حديثهم إلى استعراض بطولاتٍ متأخرة، مفادها أنهم كانوا يعارضون هذا المشروع، أو يرفضون ذلك القانون، أو يتحفظون على ذلك القرار، ومع ذلك بقوا في مواقعهم سنوات طويلة، يتمتعون بالمناصب والرواتب والامتيازات.

ثم يأتي التبرير المعتاد: “كنا تحت ضغط”، أو “لم نكن مقتنعين، لكننا وافقنا لأننا رجال دولة.”

وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تجاهله: إذا كنت مؤمنًا بأن القرار خاطئ، وأنه يضر بالمصلحة العامة، فلماذا بقيت في موقعك؟ ولماذا لم تعلن موقفك أو تغادر منصبك؟ وهل تُقاس رجولة الدولة بالبقاء في المنصب، أم بالقدرة على تحمل مسؤولية الموقف، مهما كانت كلفته؟

إن المسؤول الذي يوقّع على قرار يعتقد أنه خاطئ، ثم يبرر ذلك بعد سنوات بأنه كان مُكرهًا أو خاضعًا للضغوط، لا يقدم شهادةً في صالحه، بل يطرح تساؤلاتٍ مشروعة حول مسؤوليته المهنية والأخلاقية. فالسكوت عن الخطأ، مع الاستمرار في الاستفادة من المنصب وامتيازاته، لا يمكن أن يتحول بعد انتهاء الخدمة إلى بطولةٍ وطنية تُروى على المنابر.

ويبقى السؤال مفتوحًا لكل من يختبئ خلف عبارة “كانت الأوامر من فوق” أو “تعرضنا لضغوط”: أين كان ضميرك المهني والوطني في حينه؟ وأين كانت الشجاعة التي تتحدث عنها اليوم؟ فالمواقف تُقاس في لحظة اتخاذ القرار، لا بعد مغادرة الكرسي، عندما يصبح الحديث بلا ثمن.

لقد علّمنا الجيل المؤسس للدولة الأردنية أن الكرامة لا تنفصل عن المسؤولية، وأن رجل الدولة يبقى رجل دولة داخل المنصب وخارجه، وأن قيمة المسؤول لا تُقاس بعدد السنوات التي قضاها في موقعه، بل بحجم ما أنجز، وبقدرته على اتخاذ الموقف الصحيح في الوقت الصحيح، حتى لو كان ثمنه مغادرة المنصب.

فالأوطان لا تُبنى بالروايات المتأخرة، ولا بالبطولات بأثر رجعي، وإنما تُبنى بالقرار الشجاع، والموقف الصادق، والعمل المخلص.

ويبقى الإنجاز وحده هو الشاهد الذي لا يكذب، أما المناصب فزائلة، والأشخاص عابرون، والوطن هو الباقي.

تحية لكل مسؤولٍ آثر أن يترجل عندما تعارضت قناعاته مع واجبات منصبه، ولم يجعل من الضغوط شماعةً يعلق عليها صمته بعد سنوات. فالتاريخ لا يخلّد من تحدث كثيرًا، بل يخلّد من وقف حين كان الوقوف واجبًا، ومن غادر حين أصبحت المغادرة موقفًا يحفظ الأمانة والكرامة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :