ادارة المحتوى الصوتي في مساجدنا، مسؤولية فنية!
د. جهاد يونس القديمات
01-08-2026 01:31 PM
أوجه كلمات هذه المقالة إلى كل من يهمه أمر مساجدنا، من الذين يقومون على خدمة بيوت الله والعناية بها، ومن منطلق أن المسجد جزء مهم من حياتنا اليومية وأن صوته يصل إلى المصلين كما يصل إلى الناس في محيطه، ولذلك فإن إدارة الصوت في المساجد تستحق أن ننظر إليها بعين مختلفة، لا باعتبارها مجرد مكبرات صوت يتم تركيبها وتشغيلها وإنما باعتبارها منظومة فنية تحتاج إلى علم وخبرة وحسن إدارة، خصوصا في ظل التوسع العمراني الكبير الذي جعل المسجد اليوم وسط الأحياء السكنية، محاطا بالبيوت والمدارس والمحال المختلفة.
من المهم قبل كل شيء أن أوضح أن الحديث هنا ليس عن الآذان من الناحية الشرعية، ولا عن مكانته أو مشروعيته ولا عن أي مسألة دينية تتعلق به، فهذه أمور لها أهلها وعلماؤها واختصاصاتها، وإنما هنا الحديث عن الجانب الفني البحت، وعن كيفية إدارة المنظومة الصوتية التي نستخدمها في مساجدنا، وكيف يمكن أن يصل الصوت واضحا ونقيا ومناسبا للمكان دون أن يتحول سوء استخدام التكنولوجيا إلى مشكلة يمكن تجنبها بقليل من التنظيم والخبرة الفنية؟.
لقد تغيرت طبيعة المدن والأحياء كثيرا، وأصبح المسجد في كثير من المناطق محاطا بأعداد كبيرة من البيوت، وأصبح الصوت الصادر منه يصل إلى مسافات أبعد بسبب طبيعة الأبنية وارتفاعها وطريقة تركيب مكبرات الصوت، ولذلك فإن المسألة لم تعد كما كانت في الماضي عندما كانت المساجد في مناطق أقل ازدحاما، كما أن رفع مستوى الصوت ليس بالضرورة هو الحل لتحسين وصوله، فالصوت المرتفع قد يكون أقل وضوحا أحيانا من الصوت المضبوط بصورة صحيحة، وقد يؤدي توجيه مكبرات الصوت بطريقة غير مدروسة أو رفعها إلى الأعلى إلى انتشار الصوت لمسافات واسعة بدلا من تحسين وصوله إلى المكان المطلوب.
في الوقت نفسه، تغيرت طريقة الناس في معرفة مواقيت الصلاة بشكل كبير، فبعد أن كان الآذان في الماضي الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها كثير من الناس لمعرفة دخول وقت الصلاة، أصبحت الهواتف الذكية والتطبيقات الخاصة بمواقيت الصلاة حاضرة في حياة الناس، وتقدم لهم مواعيد الصلوات وترسل التنبيهات والتذكيرات قبل دخولها أو عند حلولها، وأصبح الإنسان يستطيع معرفة موعد الصلاة بدقة من خلال هاتفه حتى قبل أن يسمع الآذان، وهذا لا ينتقص بأي شكل من الأشكال من مكانة الآذان، وإنما يعكس تغير الوسائل التي يستخدمها الناس في حياتهم اليومية لمعرفة مواقيت الصلاة، وهو أمر يجعل من المفيد أيضا أن ننظر اليوم إلى إدارة الصوت الخارجي في المساجد باعتبارها مسألة تحتاج إلى قدر من التنظيم الفني الذي يراعي طبيعة الحياة الحديثة وتغير البيئة العمرانية من حولنا.
أعتقد أن مساجدنا باتت بحاجة إلى مهندسي صوت لا يملكون المعرفة التقنية فقط وإنما لديهم أيضا حس فني وذوق رفيع، لأن التعامل مع صوت المسجد ليس مجرد رفع مستوى الصوت أو خفضه، وإنما هو عملية تحتاج إلى دراسة المكان ومعرفة طبيعة المبنى والمنطقة المحيطة واختيار الأجهزة المناسبة، وتحديد أماكن السماعات وضبط اتجاهاتها وارتفاعاتها ومعالجة الصدى والتشويش، والوصول إلى أفضل مستوى ممكن من الوضوح والنقاء بحيث لا تكون قوة الصوت هي المعيار الوحيد، وإنما تكون جودة الصوت وتوازنه وملاءمته للمكان هي الأساس.
من أكثر الأمور التي تحتاج إلى معالجة فنية وتنظيمية مسألة ما يتم بثه قبل الآذان، إذ قد نسمع في بعض المساجد مقاطع صوتية أو مواد إذاعية تبث من خلال مكبرات الصوت الخارجية قبل الآذان، ولا أريد هنا التدخل في تقييم هذه المواد أو مناقشة مضمونها من الناحية الدينية، وإنما أرى أن من حق الجهات المعنية أن تضع سياسة واضحة وموحدة للمحتوى الصوتي الذي يخرج إلى خارج المسجد، بحيث يكون هناك تنظيم لطريقة تشغيل مكبرات الصوت الخارجية وللمستويات المناسبة وللمواد التي يتم بثها، وللفترات التي يعمل فيها النظام الخارجي، حتى لا تصبح هذه المسائل متروكة لاجتهادات مختلفة من مسجد إلى آخر.
الحل في رأيي ليس معقدا، ولا يحتاج إلى إنشاء منظومة بيروقراطية كبيرة، وإنما يمكن أن تنشئ وحدة متخصصة لإدارة ومتابعة الصوت في المساجد، تضم مهندسي صوت وفنيين مختصين، وتكون مهمتها وضع معايير فنية واضحة ومتابعة تطبيقها بحيث تصبح قادرة على معرفة حالة المنظومة الصوتية في كل مسجد، وتحديد ما إذا كانت المشكلة في الأجهزة أو طريقة توزيعها أو اتجاهها أو مستوى الصوت أو الصدى أو طريقة التشغيل، بدلا من أن تبقى المعالجة قائمة على الاجتهاد الشخصي أو على التعامل مع المشكلة بعد أن تتحول إلى شكوى.
أقترح أن تقوم هذه الوحدة بوضع دليل فني بسيط وواضح لكل المساجد المملكة، يحدد المواصفات المناسبة للأجهزة وطريقة توزيع مكبرات الصوت واتجاهاتها وارتفاعاتها، ومستويات الصوت المناسبة بحسب طبيعة المسجد والمنطقة المحيطة به، وأن تراجع أيضا طريقة تشغيل مكبرات الصوت الخارجية والمحتوى الذي يسبق الآذان، وأن تتعامل مع موضوع رفع مكبرات الصوت إلى الأعلى على أساس فني، لأن رفعها إلى الأعلى ليس قاعدة صحيحة في كل مسجد، وقد يؤدي في بعض المواقع إلى انتشار الصوت لمسافات أكبر بينما قد يكون الحل الحقيقي في تغيير الاتجاه أو الموقع أو المستوى أو عدد السماعات.
كما يمكن لهذه الوحدة أن تقوم بزيارات فنية دورية للمساجد ليس بهدف تسجيل الأخطاء أو معاقبة العاملين، وإنما بهدف المساعدة والتحسين بحيث يكون لكل مسجد ملف فني بسيط يوضح طبيعة منظومة الصوت الموجودة فيه وعدد المكبرات ومواقعها واتجاهاتها والملاحظات الفنية المتعلقة بها ومواعيد الصيانة، وأي تعديلات تمت عليها، وبذلك تستطيع الوزارة أن تنتقل من أسلوب معالجة المشكلة بعد حدوثها إلى أسلوب أكثر تقدما يقوم على الوقاية والمتابعة المستمرة.
اضيف هنا أيضا أن تدريب المؤذنين والعاملين في المساجد على الاستخدام الصحيح للأجهزة أمر لا يقل أهمية عن شراء الأجهزة نفسها لأن الجهاز الجيد يمكن أن يفقد قيمته إذا استخدم بطريقة غير صحيحة، ولذلك يمكن للوحدة المقترحة أن تقدم تدريبا بسيطا ومباشرا للعاملين حول كيفية تشغيل النظام الصوتي وضبط مستوياته، والتعامل مع الحالات الطارئة ومعرفة متى تكون المشكلة بسيطة ويمكن التعامل معها، ومتى تحتاج إلى تدخل فني متخصص، وهذا وحده يمكن أن يقلل كثيرا من المشكلات التي تحدث بسبب سوء الاستخدام وليس بسبب ضعف الأجهزة.
لأكون منصفا أكثر في طرح الموضوع، فإن التعامل مع ملاحظات الناس يجب أن يكون أيضا مهنيا وهادئا، فلا ينبغي أن تتحول ملاحظة تتعلق بمستوى الصوت أو طريقة تشغيل مكبرات الصوت إلى خلاف شخصي أو إلى نقاش ديني لا علاقة له بالمشكلة، وإنما يمكن أن تستقبل الوحدة الملاحظة وتذهب إلى المسجد، وتقيس مستوى الصوت وتفحص اتجاه المكبرات ومواقعها وتراجع طريقة التشغيل، ثم تقدم الحل الفني المناسب، وبذلك تصبح الملاحظة فرصة لتحسين الأداء وليست سببا للخلاف.
هذه الفكرة يمكن أن تحقق نتيجة جميلة إذا تعاملنا معها ببساطة، فنحن لا نريد صوتا أعلى لمجرد أنه أعلى ولا نريد أن نكثر من مكبرات الصوت لمجرد أن عددها كبير، وإنما نريد صوتا واضحا ونقيا ومتزنا يصل إلى المكان المطلوب بصورة جيدة، ويستخدم التكنولوجيا الموجودة في المسجد بطريقة مهنية ويراعي في الوقت نفسه أن المسجد أصبح جزءا من منطقة سكنية مكتظة يعيش فيها أطفال وكبار سن ومرضى وطلاب وموظفون وأسر لها ظروفها المختلفة، وأن حسن إدارة الصوت لا يتعارض مع احترام المسجد بل هو في حد ذاته صورة من صور العناية به.
يمكن للجهات المعنية أن تقدم من خلال هذه الوحدة نموذجا بسيطا وجميلا في الإدارة الحديثة للمساجد، بحيث لا تكون مهمتها فقط متابعة الأعطال والصيانة، وإنما تكون مسؤولة عن جودة الصوت من بدايته إلى نهايته، من اختيار الأجهزة وتركيبها إلى توزيع مكبرات الصوت واتجاهها وإلى مستوى الصوت والمحتوى الذي يسبق الآذان، إلى تدريب العاملين، إلى استقبال الملاحظات ومعالجتها، وبذلك يصبح لدينا مرجع فني واحد يستطيع أن يضع معايير موحدة ويضمن أن تكون هناك عدالة واتساق في التعامل مع هذه المسألة بين المساجد.
ان الوقت مناسب لأن ننظر إلى الموضوع بعقل هادئ وبعيد عن الحساسية، فالمسألة ليست مسألة رفع الصوت أو خفضه وليست نقاشا حول الآذان وإنما هي ببساطة مسألة إدارة فنية للصوت، وفي عالم أصبحت فيه التكنولوجيا جزءا من كل تفاصيل حياتنا، من الطبيعي أن تكون لدينا في وزارة الاوقاف جهة متخصصة تعرف كيف تستخدم هذه التكنولوجيا لخدمة المساجد بأفضل صورة ممكنة.
مساجد المملكة تستحق صوتا جميلا وواضحا ومتزنا، ويستحق المصلون أن يسمعوا الصوت بأفضل جودة، ويستحق المجتمع المحيط بالمسجد أيضا أن تكون المنظومة الصوتية مدارة بطريقة مهنية تراعي طبيعة المكان، ولذلك فإن إنشاء وحدة متخصصة لإدارة ومتابعة المحتوى الصوتي ومستويات الصوت وتوزيع مكبرات الصوت واتجاهاتها ومراجعة ما يبث قبل الآذان، والتأكد من عدم استخدام المكبرات بطريقة تؤدي إلى انتشار الصوت بصورة غير ضرورية، يمكن أن يكون خطوة عملية تستحق الدراسة.
أخيرا، المطلوب ليس صوتا أعلى وإنما صوتا أوضح وأنقى وأكثر اتزانا، وهذه في النهاية مسؤولية فنية يمكن إدارتها بالعلم والخبرة وحسن الذوق، دون أن تمس بأي شكل من الأشكال مكانة الآذان أو خصوصية المسجد أو المسائل الدينية التي لها أهلها واختصاصها.
jehadhr@gmail.com