لم يعد التحول الرقمي خياراً ، بل أصبح توجهاً عالمياً تسعى إليه الدول لتطوير الإدارة العامة وتسريع إنجاز المعاملات ، وتعزيز الشفافية وخفض الكلف ،، والأردن يسير بخطوات واضحة في هذا الاتجاه من خلال التوسع في الخدمات الحكومية الإلكترونية والتطبيقات الرقمية ...
غير أن نجاح هذا التحول لا يُقاس بعدد التطبيقات التي يتم إطلاقها ، وإنما بقدرة جميع المواطنين على استخدامها دون تمييز أو إقصاء ، وهنا تبرز الحاجة إلى مفهوم يجب أن يكون جزءاً من السياسة العامة للدولة، وهو ما أسميته "محو الأمية الرقمية" ...
فإذا كانت الدول قد نجحت سابقاً في برامج محو الأمية الأبجدية لتمكين المواطنين من القراءة والكتابة ، فإن المرحلة الحالية تتطلب برنامجاً وطنياً لمحو الأمية الرقمية ، بحيث يهدف مثل هذا البرنامج إلى تمكين كل مواطن من استخدام التطبيقات الحكومية وفهم آلياتها وإنجاز معاملاته بنفسه ، دون أن يبقى معتمداً على الآخرين ....
ومن منظور قانوني ، فإن الإدارة العامة ملزمة بأن تجعل الخدمة العامة متاحة للجميع على قدم المساواة ، أما إذا أصبحت الخدمات إلرقمية بصورة كاملة بينما لا تزال شريحة من المواطنين تفتقر إلى المعرفة أو المهارة الرقمية ، فإن ذلك يخلق تمييزاً عملياً بين المواطنين ، حتى وإن لم يكن مقصوداً ، ويؤثر في حقهم في الوصول إلى الخدمات العامة ....
ولهذا السبب ، فإن كثيراً من الدول لم تنتقل إلى الإلغاء الكامل للمعاملات الورقية دفعة واحدة ، وإنما اعتمدت مرحلة انتقالية تستمر إلى حين انتشار الثقافة الرقمية ، بحيث تبقى الإجراءات التقليدية قائمة ومعتبرة قانوناً إلى جانب الخدمات الرقمية ، إلى أن يصبح المجتمع مهيأً للتحول الكامل ....
أما القول إن بإمكان أي شخص أن يطلب المساعدة من غيره لإنجاز معاملاته فهذا ليس حلاً دائماً ، لأن الاعتماد المستمر على الآخرين لا يحقق "الاستقلالية الرقمية" إذا صح التعبير ، ولا يبني المعرفة ،، بل قد يفتح الباب أمام أخطاء أو إساءة استخدام البيانات الشخصية ، وما يرافق ذلك من مخاطر تتعلق بالخصوصية للبيانات واحتمال الوقوع في الأخطاء أو الاستغلال ، فضلاً عن أنه لا ينسجم مع فلسفة التحول الرقمي القائمة على تمكين المواطن وليس على زيادة اعتماده على غيره ....
إن محو الأمية الرقمية يجب أن يكون مشروعاً وطنياً متكاملاً بحيث تشارك فيه الوزارات والمؤسسات الرسمية والجامعات والمدارس والبلديات ومؤسسات المجتمع المدني ، وذلك من خلال برامج تدريب مجانية ، ومراكز مساعدة ، وحملات توعية ، ودعم خاص لكبار السن والأشخاص الأقل إلماماً بالتقنيات الحديثة ...
فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني استبدال الورق بالشاشة فقط ، وإنما يعني بناء مواطن قادر على التعامل مع التكنولوجيا وتطورها بثقة واستقلالية ، وعندها فقط يمكن الاستغناء عن الوسائل التقليدية دون أن يشعر أي مواطن بأنه أصبح خارج دائرة الخدمة العامة ...
لذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن تطرحه الحكومة قبل إلزام المواطنين بالتعامل الرقمي الكامل هو : هل أنجزنا بالفعل مشروع محو الأمية الرقمية ..؟
وهل أصبح جميع المواطنين قادرين على استخدام هذه التطبيقات دون حاجة إلى وسيط ..؟
إذا كانت الإجابة نعم ، فليكن التحول الكامل ، أما إذا كانت الإجابة لا ، فإن الحكمة تقتضي أن تسبق إلزامية التطبيقات الرقمية مرحلة وطنية شاملة لمحو الأمية الرقمية ، لأن نجاح التكنولوجيا لا يتحقق بإطلاق التطبيقات وكثرتها ، وإنما بقدرة الناس جميعاً على استخدامها ....
والله المستعان .
* مستشار قانوني