قبل سنوات، كان يكفي أن تضع شركة اللون الأخضر على شعارها أو تتحدث عن حماية البيئة حتى تُصنف ضمن المؤسسات المستدامة. لكن العالم اكتشف لاحقاً أن بعض تلك الادعاءات لم تكن سوى حملات تسويقية، فظهر مصطلح "الغسل الأخضر" (Greenwashing) لوصف الفجوة بين الادعاء والممارسة.
واليوم، مع الثورة المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال مهم: هل نحن أمام مرحلة جديدة من «الغسل»، ولكن باسم الذكاء الاصطناعي؟
أصبح الذكاء الاصطناعي عنواناً للابتكار، ورمزاً للتقدم، ووسيلة لجذب المستثمرين وتعزيز الصورة المؤسسية. وكلما ازدادت قيمة المصطلح، ازدادت إغراءات استخدامه بصورة تتجاوز الواقع. ففي عام 2024، اتخذت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) إجراءات ضد شركتين استثماريتين بسبب تصريحات مضللة حول استخدامهما للذكاء الاصطناعي، وحذرت من ظاهرة "الغسل بالذكاء الاصطناعي "(AI Washing)
كما أثار نظام «Just Walk Out» الذي طورته أمازون نقاشاً حول حجم التدخل البشري في بعض مراحل تشغيله. ولم يكن الجدل حول قيمة النظام، بل حول مدى تطابق الصورة المقدمة للجمهور مع واقعه التشغيلي، ما يؤكد أن القضية أصبحت قضية ثقة وليست تقنية فقط.
وانطلاقاً من ذلك، أقترح إطاراً أطلقت عليه «رباعية الغسل في عصر الذكاء الاصطناعي»، ويتضمن أربعة أنماط:
أولاً، الغسل بالذكاء الاصطناع (AI Washing)، ويعني المبالغة في ادعاء استخدام الذكاء الاصطناعي أو تضخيم أثره لأغراض تسويقية.
ثانياً، الغسل بالوكلاء الأذكياء (Agent Washing)، حيث تُقدَّم أنظمة الأتمتة التقليدية بوصفها وكلاء مستقلين قادرين على التفكير والتخطيط واتخاذ القرار.
ثالثاً، الغسل بالحوكمة (Governance Washing)، عندما تتحدث المؤسسات عن الأخلاقيات والشفافية والمساءلة، بينما تبقى هذه المبادئ حبيسة الوثائق ولا تنعكس على تشغيل الأنظمة.
رابعاً، الغسل الاستراتيجي (Strategic AI Washing)، حين تُطلق استراتيجيات طموحة، بينما تظل البيانات والكفاءات والبنية الرقمية والتمويل وآليات التنفيذ دون مستوى الطموح المعلن.
تشترك هذه الأنماط في اتساع الفجوة بين الادعاء والواقع، بما يؤدي إلى تراجع الثقة وارتفاع المخاطر القانونية والاقتصادية. لذلك، لن يُقاس النجاح بعدد مشاريع الذكاء الاصطناعي المعلنة، بل بقدرة المؤسسات على إثبات قيمتها وأثرها وحدودها.
وهنا تبرز أهمية «الإشراف بالتصميم (Oversight by Design)، أي دمج الشفافية والرقابة والمساءلة وإدارة المخاطر منذ بداية تصميم الأنظمة.
لقد علمنا الغسل الأخضر أن الثقة تُبنى بالأدلة لا بالشعارات. وربما لن يكون العقد القادم سباقاً نحو امتلاك الذكاء الاصطناعي، بل نحو امتلاك المصداقية في استخدامه.