اللاهوت الجيوسياسي وخطة غزة: هل تكفي الواقعية السياسية لصناعة السلام؟
م. سعيد المصري
04-08-2026 10:12 AM
- الجزء الاول
من النادر أن ينجح مقال صحفي في نقل النقاش من متابعة الأحداث اليومية إلى إعادة النظر في الإطار الفكري الذي تُقرأ من خلاله تلك الأحداث. وهذا ما حققته الدكتورة عزة كرم في مقالها الأخير حول مفهوم “اللاهوت الجيوسياسي”، حيث تجاوزت القراءة التقليدية للصراع في الشرق الأوسط بوصفه صراعاً على المصالح والحدود، لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا يحدث عندما تصبح العقيدة الدينية أحد المحركات الأساسية للسياسات القومية؟
وتكتسب هذه الأطروحة أهمية خاصة لأنها تصدر عن باحثة دولية متخصصة في العلاقة بين الدين والسياسة، شغلت مواقع قيادية في منظومة الأمم المتحدة، وأسهمت على مدى سنوات في تطوير برامج الحوار بين الأديان وبناء السلام. ومن هنا، فإن تناولها لمفهوم اللاهوت الجيوسياسي لا يمثل مجرد رأي سياسي، بل يعكس خبرة طويلة في دراسة تأثير المنظومات الدينية في صناعة القرار وفي إدارة الصراعات الدولية.
وقد جاء هذا الطرح في توقيت بالغ الحساسية، مع الإعلان عن خريطة الطريق الجديدة الخاصة بقطاع غزة، والتي تقوم على مبدأ الإجراءات المتبادلة والقابلة للتحقق، بإشراف مجلس السلام الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبمشاركة دولية وإقليمية واسعة.
وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن تفاصيل الخطة نفسها:
هل يمكن لخطة تقوم على الواقعية السياسية، والتدرج في التنفيذ، وآليات التحقق الدولية، أن تنجح إذا كان أحد أطرافها أو جزء مؤثر من بنيته السياسية يتحرك بمنطق اللاهوت الجيوسياسي أكثر من تحركه بمنطق التفاوض السياسي؟
هذا السؤال لا يستهدف التشكيك في فرص السلام، ولا يفترض أن جميع الفاعلين يتبنون الرؤية نفسها، بل يحاول فهم سبب تعثر كثير من المبادرات السابقة رغم ما احتوته من ضمانات وآليات تنفيذ ورقابة دولية.
من الواقعية السياسية إلى اللاهوت الجيوسياسي
قامت معظم اتفاقيات السلام الحديثة على فرضية أساسية مفادها أن الدول والأطراف المتنازعة تتخذ قراراتها في ضوء حسابات المصالح والأمن والاقتصاد والشرعية الدولية.
فالمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية تنطلق من أن الدولة، مهما كانت أيديولوجيتها، ستتجه في النهاية إلى اختيار البديل الذي يحقق لها أكبر قدر من الأمن والاستقرار بأقل تكلفة ممكنة.
ومن هنا جاءت فلسفة اتفاقيات السلام الحديثة، سواء في أوروبا أو البلقان أو الشرق الأوسط، والتي تقوم على مبدأ بسيط:
كل تنازل يقابله تنازل.
كل التزام يقابله التزام.
وكل مرحلة لا تبدأ إلا بعد التحقق من تنفيذ المرحلة السابقة.
إنها فلسفة لا تعتمد على حسن النوايا، وإنما على بناء الثقة تدريجياً من خلال إجراءات قابلة للقياس والرقابة.
لكن اللاهوت الجيوسياسي يقدم منطقاً مختلفاً تماماً.
فهو لا ينطلق من سؤال:
ما الذي يحقق المصلحة الوطنية؟
بل من سؤال آخر أكثر عمقاً:
ما الذي تسمح به العقيدة؟
وهنا يصبح الاختلاف جذرياً.
فالواقعية السياسية ترى أن الأرض يمكن أن تكون موضوعاً للتفاوض إذا ترتب على ذلك سلام مستدام وضمانات أمنية كافية.
أما اللاهوت الجيوسياسي، فينظر إلى بعض الأراضي باعتبارها جزءاً من وعد تاريخي أو ديني، الأمر الذي يجعل التنازل عنها يبدو وكأنه تنازل عن حق مقدس، وليس مجرد قرار سياسي.
وعندما تصل السياسة إلى هذه المرحلة، تتغير طبيعة التفاوض بالكامل.
فالطرف الذي يتحرك بمنطق المصالح يبحث عن حلول وسط، بينما الطرف الذي يتحرك بمنطق العقيدة قد يرى أن بعض القضايا لا تدخل أصلاً في دائرة التفاوض.
وهنا لا تعود المشكلة في مهارة الوسطاء، ولا في دقة النصوص القانونية، وإنما في اختلاف المرجعيات التي تحدد معنى السلام نفسه.
فلسفة خطة غزة الجديدة
إذا انتقلنا إلى خريطة الطريق الخاصة بقطاع غزة، نجد أنها صيغت بالكامل وفق منطق الواقعية السياسية.
فالخطة لا تطلب من أي طرف أن يقدم تنازلاً نهائياً دفعة واحدة، وإنما تقوم على سلسلة من الالتزامات المتبادلة، بحيث يقابل كل إجراء من أحد الطرفين إجراء من الطرف الآخر، مع وجود لجنة دولية للتحقق من التنفيذ قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وبذلك تحاول الخطة معالجة أكبر مشكلة واجهت جميع المبادرات السابقة، وهي انعدام الثقة.
فبدلاً من مطالبة أحد الطرفين بالثقة في وعود الطرف الآخر، يجري استبدال الثقة بآليات تحقق دولية، وجدول زمني واضح، ورقابة مستمرة.
ومن الناحية النظرية، تبدو هذه الصيغة الأكثر واقعية، لأنها لا تفترض حسن النية، بل تبني التقدم على الوقائع الميدانية.
لكن نجاح هذا النموذج يفترض شرطاً أساسياً قد لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو أن يكون الطرفان مقتنعين أصلاً بأن مبدأ التبادلية مشروع.
فالخطة تقوم على معادلة واضحة:
يتقدم كل طرف خطوة عندما يتقدم الطرف الآخر خطوة مماثلة.
غير أن هذه المعادلة تصبح أكثر تعقيداً إذا كان أحد الأطراف يرى أن بعض الالتزامات المطلوبة منه ليست مجرد إجراءات سياسية، وإنما تمس قضايا يعتبرها جزءاً من هويته التاريخية أو الدينية.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي يجعل الجدل يدور اليوم حول ترتيب الخطوات، أكثر مما يدور حول مبدأ السلام ذاته.
أين يبدأ الاختلاف؟
قد تبدو الخلافات الحالية مرتبطة بترتيب الانسحاب، أو توقيت نزع السلاح، أو صلاحيات القوة الدولية، لكنها في حقيقتها تعكس اختلافاً أعمق في طريقة النظر إلى الصراع.
فالواقعية السياسية ترى أن الأمن يمكن أن يتحقق عبر ترتيبات مؤسسية، وضمانات دولية، وإدارة مشتركة للمخاطر.
أما عندما يختلط الأمن بالعقيدة، فإن الانسحاب قد لا يُنظر إليه باعتباره وسيلة لتحقيق الاستقرار، بل باعتباره تخلياً عن حق لا يملك أي مسؤول سياسي سلطة التنازل عنه.
وهنا يصبح تنفيذ أي اتفاق أكثر صعوبة، حتى لو توافرت له أفضل الضمانات الدولية.
ولا يعني ذلك أن جميع مكونات المشهد السياسي الإسرائيلي تتحرك وفق هذا المنطق، كما لا يعني أن الاعتبارات الأمنية والمصالح الاستراتيجية قد اختفت.
فالسياسة الإسرائيلية، مثل غيرها من سياسات الدول، ما زالت تتأثر بعوامل متعددة تشمل الأمن، والاقتصاد، والعلاقات مع الولايات المتحدة، والاعتبارات الداخلية.
لكن ما تغير خلال السنوات الأخيرة هو ازدياد تأثير التيارات القومية والدينية داخل الائتلافات الحاكمة، وهو ما يجعل بعض القضايا أكثر ارتباطاً بالهوية والعقيدة، وأقل قابلية للتسويات التقليدية.
ومن هنا تبرز أهمية المقارنة بين الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تضم قوى يمينية ودينية متشددة، وبين احتمال ظهور حكومة يمين وسط أكثر براغماتية بعد الانتخابات المقبلة.
فنجاح أو تعثر خطة غزة لن يتوقف فقط على بنودها، وإنما أيضاً على طبيعة الحكومة التي ستتولى تنفيذها، وعلى المرجعية الفكرية التي ستتعامل من خلالها مع مفهوم الأمن، ومع حدود التنازل السياسي، ومع العلاقة بين الأرض والعقيدة.
وهذا هو المحور الذي سنحاول تناوله في الجزء الثاني من هذا المقال، قبل الانتقال إلى السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن أصلاً بناء سلام دائم في غزة إذا بقيت الضفة الغربية تسير في مسار مختلف تماماً؟