بين ذكاء الآلة وذكاء الطفولة… رحلة من الزرقاء إلى ثغرة الجب
كامل الروضان
06-08-2026 08:54 PM
يُعرَّف الذكاء الاصطناعي بأنه قدرة الآلة على محاكاة بعض قدرات العقل البشري؛ أن تتعلم، وتحلل، وتستنتج، وتساعد الإنسان في مجالات كانت في السابق حكراً على الإنسان. إنه محاولة بشرية لجعل الآلة تقترب من طريقة التفكير البشري.
غير أن هذا المفهوم الحديث يدفعني دائماً إلى المقارنة مع نوع آخر من الذكاء سبق كل التقنيات؛ ذكاء الطفولة، وذكاء الفطرة، وذكاء الإنسان وهو يتعامل مع بيئته الطبيعية، ويفهم احتياجات من حوله من إنسان وحيوان وأرض.
وانطلاقاً من هذه الفكرة، أعود إلى بداياتي الأولى في مدينة الزرقاء، حيث نشأت في بيئة حرص فيها والداي على أن يكون التعليم هو الأساس. لذلك بدأت دراستي في مدارس الروم الكاثوليك، قبل أن أنتقل لاحقاً إلى مدارس القوات المسلحة الأردنية. ومنذ تلك المرحلة المبكرة، تشكل لدي إدراك بأن بناء الإنسان يبدأ من تعليم منظم وتربية واعية.
ومع انتقالنا إلى مرحلة جديدة من حياتنا، شاءت الظروف أن يُبتعث والدي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في أبوظبي عامي 1979 و1980، حيث كان يعمل مساعداً لقائد لواء خالد بن الوليد. هناك، انتقلت مع أسرتي إلى بيئة مختلفة، ودرست الصفين الرابع والخامس في مدرسة جابر بن حيان.
وفي تلك المرحلة، أضيفت إلى تجربتي الدراسية محطة إنسانية مميزة، إذ كان من بين زملائي سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان حفظه الله. كانت تلك مجرد سنوات دراسة طفولية، سرعان ما انتهت، ليأخذ كل منا طريقه في الحياة. وفي الوقت نفسه، كانت طبيعة عمل والدي العسكرية تعزز فينا قيم الانضباط وتحمل المسؤولية أكثر من أي شيء آخر.
وبعد انتهاء تلك المرحلة والعودة إلى الأردن، واصلت دراستي في مدارس القوات المسلحة الأردنية حتى المرحلة الثانوية. وهنا بدأت مرحلة مفصلية في حياتي؛ إذ كان أمامي خيار قضاء الإجازات الصيفية في الزرقاء بما تحمله من راحة وحياة مدنية، أو العودة إلى ثغرة الجب في محافظة المفرق، حيث الجذور والأهل وأبناء العمومة.
ومع مرور الوقت، اتضح أن اختياري كان يميل دائماً إلى ثغرة الجب، حيث تبدأ تجربة مختلفة تماماً عن حياة المدينة.
ففي تلك البيئة، كانت العطلة الصيفية تعني موسم الحصاد والعمل في الأرض؛ القمح والشعير والتبن. كنا نستيقظ بعد صلاة الفجر، وننطلق إلى الحقول لجمع التبن ونقله إلى أماكن التخزين، ليكون غذاءً للأغنام والماشية التي كانت جزءاً أساسياً من حياة أهلنا.
وفي تلك اللحظات، كنت أرى الفرق بين عالمين؛ عالم المدينة الذي يراه أبناء العسكريين في الزرقاء من راحة وسباحة، وعالم الريف الذي كنت أعيشه تحت الشمس والعمل المتواصل. ومع ذلك، لم يكن هذا التباين سبباً للندم، بل كان بداية تشكل وعي مختلف بالحياة.
ومع بساطة تلك الحياة، كانت تفاصيلها اليومية تحمل الكثير من المعاني. فلم تكن الموائد عامرة كما هي اليوم، ولم يكن الطعام متاحاً في كل وقت، بل كنا نأكل وفق الحاجة وما توفره البيئة. وكانت الشنينة والقطيع من الأطعمة التي ارتبطت بطفولتنا، وهي من منتجات الألبان التي شكلت جزءاً أساسياً من غذاء أهل البادية والريف. ورغم بساطتها، إلا أنها كانت تحمل طعماً خاصاً مرتبطاً بالأرض والذاكرة.
ومع تكرار هذه التجارب، بدأت تتضح لي تدريجياً قيمة العمل الذي كنا نقوم به. فحمل التبن ورعاية الماشية لم يكن مجرد جهد جسدي، بل كان تدريباً عملياً على المسؤولية. ومن هنا، تعلمنا أن الحيوان ليس مجرد ملكية، بل أمانة تحتاج إلى رعاية وفهم لاحتياجاتها، وهو ما يمكن اعتباره شكلاً مبكراً من الذكاء الفطري في التعامل مع الحياة.
ومع الانتقال إلى المرحلة الثانوية، بدأت أرى أثر تلك التجارب على شخصيتي ومسيرتي الدراسية. ورغم أنني كنت من الطلبة المتفوقين، إلا أنني لم أعد أنظر إلى تلك المرحلة كفاصل بين الدراسة والحياة، بل كجزء من تكوين متكامل صنع شخصيتي.
وبعد ذلك، فتح الله لي أبواب العلم والعمل، ووقف والدي إلى جانبي، فتابعت دراستي الجامعية، ثم انتقلت إلى خدمة الوطن في مسيرتي المهنية. ومع ذلك، بقيت تلك البدايات حاضرة في الذاكرة، لأنها لم تكن مجرد مرحلة عابرة، بل أساساً لما بعدها.
ومن خلال هذا الامتداد بين المراحل، أستطيع اليوم أن أرى رحلتي بشكل أوضح؛ فهي لم تكن انتقالاً جغرافياً بين الزرقاء وثغرة الجب ودابوق فحسب، بل كانت انتقالاً بين مدارس متعددة: مدرسة التعليم النظامي، ومدرسة الانضباط العسكري، ومدرسة الحياة اليومية بكل تفاصيلها.
وفي ضوء ذلك، يتضح لي أن الذكاء الحقيقي لا يقتصر على القدرة على التحليل أو التفكير، بل يمتد إلى فهم الحياة بكل تعقيداتها، واحترام الإنسان والحيوان والأرض، وإدراك قيمة التجارب التي قد تبدو بسيطة في وقتها، لكنها تصنع الفرق لاحقاً.
وهكذا، أستطيع اليوم أن أقول إن تلك الطفولة، التي بدت يوماً مليئة بالتعب والمشقة، أصبحت من أثمن ما أملك من ذكريات. لأنها لم تصنع فقط متعلماً، بل صنعت إنساناً يدرك جذوره، ويعرف قيمة المكان الذي جاء منه، ويقدّر كل خطوة ساهمت في تشكيله.