facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الإنسان أم الذكاء الاصطناعي؟ من يملك القرار في المستقبل؟


كامل الروضان
07-08-2026 05:55 PM

في لحظات قليلة قد يتغير مصير العالم، وقد يكون القرار الذي يتخذه إنسان واحد سبباً في إنقاذ البشرية من كارثة كبرى. هذه ليست قصة خيالية، بل واقعة حدثت في السادس والعشرين من أيلول عام 1983، عندما كان العالم يعيش أجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

في ذلك اليوم، أظهر نظام الإنذار المبكر للصواريخ النووية السوفيتية أن الولايات المتحدة أطلقت صواريخ نووية باتجاه الاتحاد السوفيتي. كان الضابط السوفيتي ستانيسلاف بتروف أمام قرار تاريخي: هل يعلن أن هجوماً نووياً بدأ، مما قد يؤدي إلى رد نووي متبادل وحرب عالمية ثالثة؟

لكن بتروف لم يعتمد على الجهاز وحده، بل استخدم عقله وخبرته وشكه الإنساني. فقد رأى أن المعلومات لا تبدو منطقية، لأن هجوماً نووياً حقيقياً كان سيشمل عدداً كبيراً من الصواريخ، وليس الإشارة المحدودة التي ظهرت على النظام. لذلك قرر عدم اعتبار الإنذار هجوماً مؤكداً. وبعد التحقيق تبيّن أن النظام أخطأ بسبب انعكاس أشعة الشمس على السحب، وأن العالم نجا من حرب نووية محتملة.

ولو كان القرار في ذلك اليوم بيد نظام آلي لا يملك الشك والحدس والمسؤولية الإنسانية، لربما تغير تاريخ العالم، وربما لم نكن اليوم موجودين لنتحدث عن الذكاء الاصطناعي.

هذه الحادثة تفتح باباً مهماً للنقاش: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل مكان الإنسان؟ أم أنه سيبقى أداة عظيمة صنعها الإنسان لخدمته؟

لا شك أن الذكاء الاصطناعي يمثل واحدة من أعظم ثورات العصر الحديث. فقد أصبح قادراً على تحليل كميات هائلة من المعلومات، وتسريع الأعمال المتكررة، ومساعدة الإنسان في مجالات الطب والهندسة والتعليم والإدارة وغيرها. لكنه، مهما تطور، يبقى وسيلة صنعها الإنسان، وليس بديلاً عن الإنسان.

فالذكاء الاصطناعي يتعلم من البيانات التي يُغذّى بها. وهنا تظهر قضية مهمة: من يحدد هذه البيانات؟ ومن يختار المعلومات التي يتعلم منها؟ إن التطبيقات التي تنتجها دول مختلفة قد تتأثر بالبيئة العلمية والثقافية والسياسية التي صنعتها. فالبيانات التي يتعلم منها أي نظام قد تحمل وجهة نظر أو انحيازاً معيناً، سواء كان مصدرها الصين أو الولايات المتحدة أو روسيا أو غيرها.

ولهذا فإن كل تطبيق للذكاء الاصطناعي يحتاج إلى مراجعة بشرية مستمرة، وإلى التحقق من المعلومات التي يقدمها، والبحث عن الأدلة قبل اعتماد نتائجه. فالذكاء الاصطناعي قد يقدم أحياناً معلومات غير دقيقة أو غير موجودة، وهي الظاهرة المعروفة باسم الهلوسة في الذكاء الاصطناعي (AI Hallucinations)، حيث تبدو الإجابة مقنعة لكنها قد تكون خاطئة.

إن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون مساعداً للإنسان وليس صاحب القرار بدلاً منه. ولذلك فإن وجود خبراء الذكاء الاصطناعي في مؤسسات الدولة أمر مهم جداً، ولكن دورهم يجب أن يكون دور المستشارين الذين يقدمون المعرفة والتحليل، وليس استبدال الإنسان المسؤول عن القرار.

وفي مجال القضاء على سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في الأعمال المتكررة، وتنظيم الملفات، وتحليل الوثائق، وتسريع الإجراءات. لكنه لا يستطيع أن يحل مكان القاضي الذي ينظر إلى الإنسان أمامه، ويستمع إلى الشهود، ويدرس الظروف والملابسات، ويستخدم خبرته وفهمه لطبيعة البشر.

فالقانون يختلف من دولة إلى أخرى؛ فالقانون الأردني يختلف عن القانون الأمريكي والبريطاني والروسي وغيرهم. والقضية القضائية ليست مجرد بيانات وأرقام، بل هي حياة إنسان وحقوق ومسؤولية أخلاقية. فالإنسان أمام القاضي ليس ملفاً إلكترونياً، بل شخص من دم ولحم له ظروفه ودوافعه وحكايته.

وكذلك الحال في السيارات ذاتية القيادة، فإن القضية لا تتعلق فقط بقدرة السيارة على الحركة، بل بما يحدث عند وقوع حادث: من يتحمل المسؤولية؟ وما التشريعات التي تنظم هذه الحالات؟ إن أي تطبيق متقدم للذكاء الاصطناعي يحتاج قبل كل شيء إلى بيئة رقمية وتنظيمية قوية وآمنة، لأن أي خلل تقني أو تنظيمي، أو أي هجوم إلكتروني، قد يؤدي إلى عواقب خطيرة.

إن مستقبل العالم لن يكون في مواجهة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل في التعاون بينهما. فالذكاء الاصطناعي سيختصر الوقت، ويزيد القدرة على الإنجاز، لكنه لا يمتلك الضمير أو الشعور أو الفطرة أو المسؤولية الأخلاقية التي منحها الله للإنسان.

فالله سبحانه وتعالى هو خالق السماوات والأرض، وخالق الإنسان، وهو الذي يحيي ويميت. أما الذكاء الاصطناعي فهو إنجاز بشري مهما بلغ من تقدم، وسيبقى محدوداً بما صنعه الإنسان وبالبيانات التي تعلم منها.

إن أعظم القرارات في التاريخ لم تكن مجرد حسابات، بل كانت قرارات بشرية تحمل المسؤولية. ولذلك فإن القادة في العالم، مهما امتلكوا من أدوات وتقنيات حديثة، يبقى القرار النهائي قراراً إنسانياً.

الخلاصة: يجب علينا أن نواكب الذكاء الاصطناعي ونستفيد منه، ولكن علينا أن ندرك أنه مساعد ذكي للإنسان وليس بديلاً عنه، ومستشار وليس صاحب قرار، وأداة في يد العقل البشري وليست بديلاً عن العقل البشري.

فالإنسان هو الذي صنع الذكاء الاصطناعي، وهو المسؤول عن توجيهه، وعن استخدامه لخدمة البشرية وبناء مستقبل أفضل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :