اللاهوت الجيوسياسي وخطة غزة: هل تكفي الواقعية السياسية لصناعة السلام؟
م. سعيد المصري
08-08-2026 12:10 PM
* الجزء الثاني
حكومة نتنياهو: عندما تتقاطع الواقعية مع العقيدة
لا يمكن فهم فرص نجاح خطة غزة من خلال قراءة نصوصها وحدها، بل ينبغي قراءة البيئة السياسية التي ستُنفذ فيها. فالخطة، مهما بلغت دقتها، ستبقى رهناً بالإرادة السياسية للأطراف المعنية، وفي مقدمتها الحكومة الإسرائيلية.
ومن هنا، لا يبدو أن التحدي الرئيسي يكمن في وجود آلية دولية للتحقق أو في تفاصيل الجداول الزمنية، وإنما في اختلاف المرجعيات الفكرية التي تنطلق منها الأطراف عند تفسير تلك البنود.
لقد نجحت حكومة بنيامين نتنياهو، منذ اندلاع الحرب، في الجمع بين اعتبارات الأمن القومي التقليدية وبين خطاب سياسي يتأثر بصورة متزايدة بمواقف الأحزاب القومية والدينية التي تشكل جزءاً أساسياً من ائتلافه الحاكم.
ومن المهم هنا تجنب التبسيط. فليس صحيحاً أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تحكمها العقيدة وحدها، كما أنه ليس صحيحاً أن الاعتبارات الأمنية غابت عن قراراتها. لكن من الصحيح أيضاً أن نفوذ التيارات الدينية والقومية المتشددة أصبح عاملاً مؤثراً في رسم حدود المقبول سياسياً، الأمر الذي يجعل بعض التنازلات التي قد تبدو منطقية وفق الحسابات الأمنية التقليدية أكثر صعوبة من الناحية السياسية والائتلافية.
وهنا يظهر التقاطع الذي تحدثت عنه الدكتورة عزة كرم بين اللاهوت الجيوسياسي والسياسة القومية.
فالخطة الدولية تنطلق من مبدأ بسيط:
يتقدم كل طرف خطوة عندما يتحقق من تنفيذ الطرف الآخر لالتزامه.
أما داخل الائتلاف الإسرائيلي الحالي، فإن السؤال قد يصبح مختلفاً:
هل يجوز أصلاً تقديم هذه الخطوة؟
وهذا اختلاف جوهري بين منطقين؛ الأول يبحث في شروط التنفيذ، والثاني يبحث في مشروعية التنفيذ ذاته.
لماذا قد تتعثر الخطة قبل انتخابات أكتوبر؟
يصعب تصور أن تقدم الحكومة الحالية على خطوات انسحاب واسعة من قطاع غزة قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، ليس فقط بسبب الاعتبارات الأمنية، وإنما أيضاً بسبب البيئة السياسية الداخلية.
فأي انسحاب واسع قد يُفسَّر من قبل شركاء نتنياهو في اليمين المتطرف باعتباره تراجعاً عن أهداف الحرب، أو استجابة لضغوط دولية، أو مكافأة لحماس، وهي اتهامات قد تؤثر بصورة مباشرة في تماسك الائتلاف وفي المزاج الانتخابي لقاعدته السياسية.
ولهذا، من المرجح أن تسعى الحكومة الحالية إلى إعادة تفسير مفهوم “التبادلية” الوارد في الخطة.
فبدلاً من أن يكون نزع السلاح والانسحاب عمليتين متزامنتين تتقدمان بالتوازي، قد تحاول الحكومة الإسرائيلية تحويلهما إلى عملية متتابعة تبدأ بتنفيذ الالتزامات الفلسطينية كاملة، قبل الانتقال إلى أي انسحاب إسرائيلي ذي معنى.
وقد يبدو هذا التفسير منطقياً من زاوية أمنية بحتة، لكنه يختلف عن الفلسفة الأصلية للخطة، التي بُنيت على فكرة أن كل طرف يحتاج إلى رؤية تقدم ملموس من الطرف الآخر حتى يستمر في تنفيذ التزاماته.
ومن هنا قد لا يكون الخلاف الحقيقي حول نزع السلاح أو الانسحاب، بل حول من يتحرك أولاً، ومن يملك حق تقييم نجاح كل مرحلة.
ماذا لو جاءت حكومة يمين وسط؟
يفترض كثيرون أن أي تغيير في الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات سيؤدي تلقائياً إلى تسهيل تنفيذ الخطة، لكن هذا الافتراض يحتاج إلى قدر من الحذر.
فحتى لو أفرزت الانتخابات حكومة يمين وسط أكثر براغماتية، فإنها ستظل حكومة إسرائيلية تضع الأمن القومي في مقدمة أولوياتها، وستطالب بضمانات قوية تمنع عودة قطاع غزة إلى ما كان عليه قبل الحرب.
إلا أن الفارق قد يكمن في طريقة تحقيق هذا الأمن.
ففي حين تميل الحكومة الحالية إلى ربط الأمن باستمرار حرية العمل العسكري والسيطرة المباشرة على الأرض، قد تكون حكومة يمين وسط أكثر استعداداً للقبول بأن يتحقق الأمن من خلال ترتيبات دولية، وقوة مراقبة متعددة الجنسيات، وإدارة فلسطينية جديدة، شريطة أن تثبت هذه المؤسسات قدرتها على منع إعادة التسلح.
وهنا تعود الواقعية السياسية إلى الواجهة.
فبدلاً من النظر إلى السيطرة العسكرية باعتبارها الضمانة الوحيدة للأمن، يصبح بالإمكان اعتبار المؤسسات الدولية، وآليات التحقق، والإدارة الفلسطينية المنضبطة، أدوات بديلة لتحقيق الهدف نفسه.
وهذا لا يعني أن حكومة يمين وسط ستصبح أكثر قبولاً بقيام دولة فلسطينية في المدى القريب، لكنه قد يجعلها أكثر استعداداً للتعامل مع خطة غزة باعتبارها مشروعاً أمنياً وسياسياً قابلاً للإدارة، وليس مجرد تنازل أيديولوجي.
هل تكفي إسرائيل وحدها لإنجاح الخطة؟
الجواب، بكل وضوح، هو لا.
فالواقعية السياسية يجب أن تكون متبادلة، كما أن التنازلات يجب أن تكون متبادلة أيضاً.
فالطرف الفلسطيني يواجه بدوره معضلة معقدة.
فإذا شرع في تنفيذ ترتيبات نزع السلاح دون أن يرى انسحاباً إسرائيلياً حقيقياً، فقد يُتهم داخلياً بأنه تخلى عن آخر أوراق القوة دون الحصول على مقابل سياسي واضح.
أما إذا رفض الانخراط في تلك الترتيبات، فسوف يُتهم بإفشال المبادرة الدولية وإضاعة فرصة إنهاء الحرب وإعادة الإعمار.
ولهذا فإن نجاح الخطة يتطلب انتقالاً متوازياً لدى الطرفين.
فكما تحتاج إسرائيل إلى الانتقال من مفهوم الأمن القائم على السيطرة العسكرية الدائمة إلى مفهوم الأمن القائم على الضمانات الدولية والمؤسسات، يحتاج الفلسطينيون أيضاً إلى الانتقال من اعتبار السلاح الإطار الوحيد لحماية الحقوق الوطنية، إلى بناء مؤسسات وطنية قادرة على إدارة الدولة عندما تتوافر ظروف قيامها.
ولا يعني ذلك التخلي عن الحقوق السياسية أو القانونية للشعب الفلسطيني، وإنما يعني إدراك أن بناء المؤسسات، والشرعية السياسية، والقدرة على الإدارة، ستصبح عناصر أساسية في أي مرحلة انتقالية.
غزة ليست القضية الفلسطينية
ورغم كل ما سبق، يبقى السؤال الأكثر خطورة خارج إطار النقاش الأمني المباشر.
فهل تعالج الخطة القضية الفلسطينية، أم أنها تعالج قطاع غزة فقط؟
هذا السؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة يمثل جوهر الإشكالية.
فإذا نجحت الخطة في وقف الحرب، وإعادة الإعمار، وإنشاء إدارة انتقالية مستقرة داخل غزة، بينما بقيت الضفة الغربية تسير في اتجاه مختلف تماماً، فإننا لن نكون أمام بداية حل شامل، بل أمام إدارة منفصلة لجزء من الأزمة.
ومن هنا تبدأ القضية التي كثيراً ما تُهمَل في النقاشات الدولية، وهي العلاقة العضوية بين مستقبل غزة ومستقبل الضفة الغربية.
فلا يمكن النظر إلى القطاع باعتباره ملفاً أمنياً وإنسانياً مستقلاً، بينما تُترك الضفة الغربية لمعادلات مختلفة تماماً تتعلق بالاستيطان، وتجزئة الأرض، وتقييد الحركة، وتغيير الوقائع على الأرض.
ولهذا، فإن أي تقييم جاد لخطة غزة يجب أن ينتقل من سؤال:
هل ستنجح الخطة في غزة؟
إلى سؤال أكثر شمولاً:
هل تمثل غزة بداية لمسار سياسي فلسطيني موحد، أم أنها ستتحول إلى ملف مستقل ينفصل تدريجياً عن مستقبل الضفة الغربية؟
هذا هو السؤال الذي سيحدد في النهاية ما إذا كنا أمام خطوة أولى نحو تسوية شاملة، أم أمام إدارة جديدة للصراع تحت عنوان مختلف.
وفي الجزء الثالث والأخير سنناقش هذه المسألة، لأن مستقبل غزة لا يمكن فصله عن مستقبل الضفة الغربية، كما أن نجاح أي ترتيبات أمنية في القطاع سيظل محدوداً إذا بقيت الجغرافيا الفلسطينية في الضفة الغربية تتعرض لمزيد من التفكك والتجزئة، بما يثير تساؤلات جوهرية حول قابلية أي مشروع سلام للحياة والاستمرار