حين تتحول أفكار الطلبة إلى شركات .. الهاشمية تبدأ صناعة المستقبل
أ.د. أحمد منصور الخصاونة
08-08-2026 12:17 PM
ليست كل الاتفاقيات التي توقعها الجامعات مجرد أوراق توثق تعاونًا أو شراكة، فبعض الاتفاقيات تحمل في مضمونها تحولًا في طريقة التفكير، وتؤسس لمسار جديد يتجاوز حدود القاعات الدراسية والمناهج التقليدية. ومن هذا المنظور، فإن توقيع الجامعة الهاشمية أربع اتفاقيات لاحتضان مشاريع ريادية طلابية ضمن الدورة الأولى من برنامج الاحتضان الذي أطلقه مركز الابتكار والمشاريع الإبداعية بالتعاون مع منصة زين للإبداع ZINC، يمثل خطوة تستحق التوقف عندها، ليس باعتبارها نشاطًا جامعيًا عابرًا، وإنما باعتبارها مؤشرًا على توجه متنامٍ نحو بناء جامعة أكثر ارتباطًا بالابتكار وسوق العمل والاقتصاد الوطني.
في عالم لم تعد فيه المعرفة وحدها كافية لصناعة النجاح، أصبحت الجامعات مطالبة بإعادة تعريف رسالتها ودورها. فالاقتصادات الحديثة لا تُبنى فقط على ما تنتجه المصانع، وإنما على ما تنتجه العقول من أفكار وتقنيات ونماذج أعمال وحلول مبتكرة. والجامعات، بما تمتلكه من طاقات بشرية وبحثية وشبابية، تمثل البيئة الطبيعية التي يمكن أن تولد فيها هذه الأفكار قبل أن تتحول إلى منتجات وشركات وأسواق وفرص عمل.
من هنا تأتي أهمية برنامج احتضان المشاريع الريادية الطلابية في الجامعة الهاشمية، لأنه ينقل مفهوم الريادة من إطارها النظري إلى فضاء التطبيق والممارسة. فالطالب الذي يتعلم مفهوم ريادة الأعمال داخل المساق الأكاديمي، ثم يجد أمامه منظومة حقيقية تساعده على اختبار فكرته وتطوير نموذجه الأولي وحماية ملكيته الفكرية والتعرف إلى السوق والتواصل مع الخبراء والمستثمرين، يصبح أمام تجربة تعليمية مختلفة تمامًا؛ تجربة لا تعلمه فقط كيف يبحث عن وظيفة، وإنما كيف يخلق فرصة لنفسه ولغيره.
وهذه النقلة في التفكير هي جوهر التحول المطلوب في التعليم العالي الأردني.
لقد اعتدنا لسنوات طويلة أن نقيس نجاح الجامعة بعدد الخريجين، ونسب النجاح، وعدد البرامج الأكاديمية، وحجم البحث العلمي والمنشورات. وكلها مؤشرات مهمة، لكنها لم تعد وحدها كافية للحكم على قدرة الجامعة على الاستجابة لمتطلبات المستقبل. فالسؤال الأهم اليوم هو: ماذا فعلت الجامعة بالمعرفة التي أنتجتها؟ وكم فكرة تحولت إلى منتج؟ وكم مشروعًا تحول إلى شركة؟ وكم شركة خلقت وظائف؟ وكم ابتكارًا وصل إلى السوق؟ وكم طالبًا تخرج وهو يمتلك القدرة والثقة والأدوات التي تمكنه من صناعة مستقبله بدلاً من انتظار من يصنعه له؟
من هنا تحديدًا تبرز القيمة الاستراتيجية لهذه التجربة.
فالجامعة الهاشمية لم تكتفِ بتقديم دعم مالي يصل إلى أربعة آلاف دينار للمشروع المتأهل، وإنما قدمت منظومة متكاملة تشمل التدريب والدعم الفني والمالي والإرشاد والتشبيك مع الخبراء والمستثمرين والاستشارات المتعلقة بحماية الملكية الفكرية، إلى جانب توفير مساحة للعمل والإشراف الأكاديمي والمتابعة. وهذا أمر مهم؛ لأن التجارب العالمية تؤكد أن التمويل وحده لا يصنع شركة ناشئة، وأن الفكرة مهما كانت لامعة يمكن أن تفشل إذا لم تجد من يساعد أصحابها على فهم السوق والعملاء ونموذج الأعمال والتسويق والتمويل والملكية الفكرية وإدارة المخاطر.
والأهم أن الاتفاقيات الموقعة لا تتعامل مع المشاريع بوصفها أنشطة طلابية مؤقتة، وإنما تضع أمامها مسارًا يمتد لمدة عام، وينتهي بتخريج المشروع أو تأسيس شركة ناشئة أو الوصول إلى عقود ترخيص واستثمار تجاري. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الاحتضان الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد مساحة عمل أو تمويل محدود، بل رحلة متكاملة لنقل المشروع من مرحلة الفكرة والنموذج الأولي إلى مرحلة إثبات الجدوى ثم الدخول إلى السوق.
واللافت في المشاريع الأربعة المحتضنة أنها تعكس تنوعًا في مجالات الابتكار، وتؤكد أن الريادة ليست حكرًا على تخصص بعينه.
فمشروع ECO-AFO، بقيادة الطالب عادل أبوغوري وعضوية الطالب محمد الخرشان، وبإشراف الأستاذ الدكتور فارس العقلة من كلية الهندسة، يتجه إلى تصنيع جبائر للقدم والكاحل للأطفال باستخدام مواد مركبة خضراء ومستدامة بديلة عن المواد النفطية. وهو نموذج يجمع بين الهندسة والاستدامة والبعد الصحي والاجتماعي، ويؤكد أن الابتكار الحقيقي هو الذي يستطيع أن يعالج مشكلة واقعية بطريقة أكثر كفاءة واستدامة.
وفي المقابل، يأتي مشروع Hired.jo بقيادة الطالب خالد مسعود وعضوية الطالبين حسام الجمل وعزالدين علي الكرد، وبإشراف الدكتور إسلام ملكاوي من كلية الهندسة، ليقدم توظيفًا للذكاء الاصطناعي في واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بمستقبل الشباب، وهي الانتقال من الجامعة إلى سوق العمل. فبناء السيرة الذاتية والوصول إلى فرص العمل لم يعد مجرد إجراء إداري، بل أصبح جزءًا من منظومة رقمية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيلها بصورة أكثر كفاءة وذكاء.
أما مشروع ProSim، بقيادة الطالب خالد الخزاعلة وعضوية الطالب عبدالله أبوحنتش، وبإشراف الدكتور خالد مقابلة من كلية الأعمال، فيقدم تصورًا مختلفًا ومهمًا لمستقبل التعليم والتدريب، من خلال منصة عربية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمحاكاة بيئة العمل الحقيقية، بحيث يواجه الطالب مهام عملية مشابهة لما سيواجهه في سوق العمل، ويحصل على تقييم فوري لأدائه. وهنا تتحول الجامعة من مكان يتعلم فيه الطالب عن العمل إلى بيئة يستطيع فيها أن يتدرب على العمل قبل أن يصل إليه.
ويأتي مشروع Digital Pharmacy Simulation، بقيادة الطالبة سلمى ملحم وعضوية الطالبين عون خليفات ومعتز أيوب، وبإشراف الأستاذ الدكتور خالد الروسان من كلية الصيدلة، ليؤكد بدوره أن الذكاء الاصطناعي والمحاكاة الرقمية يمكن أن يعيدا تشكيل التعليم والتدريب في التخصصات الصحية، من خلال توفير بيئات تفاعلية تساعد الطلبة على تطوير مهاراتهم السريرية والاستعداد بصورة أفضل للممارسة المهنية.
وإذا تأملنا هذه المشاريع الأربعة، سنجد أنها لا تمثل مجرد أفكار منفصلة، وإنما تعكس صورة مصغرة لما ينبغي أن تكون عليه الجامعة الحديثة: هندسة مرتبطة بالاستدامة، وذكاء اصطناعي مرتبط بالتوظيف، وتعليم مرتبط بسوق العمل، وصيدلة مرتبطة بالمحاكاة الرقمية.
وهنا تبرز أهمية الشراكة مع منصة زين للإبداع ZINC، وهي شراكة ينبغي النظر إليها باعتبارها نموذجًا يمكن البناء عليه وتوسيعه. فالجامعة تمتلك الطلبة والباحثين والخبرات والمعرفة، بينما يمتلك القطاع الخاص فهمًا أعمق للسوق والعملاء والاستثمار وشبكات الأعمال. وعندما يلتقي الطرفان ضمن منظومة واضحة، تصبح فرص انتقال الابتكار من المختبر والجامعة إلى السوق أكبر بكثير.
ولعل المرحلة المقبلة تحتاج إلى توسيع مفهوم الشراكة ليشمل، إلى جانب الدعم المالي والتدريب، الاستثمار المباشر في المشاريع الواعدة، وربطها بمستثمرين محليين وإقليميين، وتوفير فرص تجريب المنتجات، وفتح الأسواق أمامها، وبناء برامج للتسريع بعد انتهاء فترة الاحتضان.
فالنجاح الحقيقي لبرنامج الاحتضان لن يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، ولا بعدد المشاريع التي دخلت البرنامج، ولا حتى بقيمة الدعم المالي المقدم لها. النجاح الحقيقي سيظهر بعد سنة أو سنتين عندما نسأل: كم مشروعًا بقي حيًا؟ كم شركة تأسست؟ كم منتجًا وصل إلى السوق؟ كم عميلًا حصل عليه المشروع؟ كم استثمارًا استطاع جذبَه؟ كم وظيفة خلقها؟ وكم مشروعًا استطاع أن يتوسع خارج الأردن؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تتحول إلى مؤشرات أداء رئيسية للبرنامج.
ومن هنا، فإن أمام الجامعة فرصة حقيقية لبناء نموذج متقدم للاحتضان الجامعي، يقوم على مؤشرات قابلة للقياس، تشمل تطور النموذج الأولي، والتحقق من حاجة السوق، وعدد المستخدمين الأوائل، والإيرادات، والاستثمارات، والملكية الفكرية، وتأسيس الشركات، والوظائف المستحدثة، واستمرارية المشروع بعد انتهاء فترة الاحتضان.
وهذا يقودنا إلى قضية أوسع تتعلق بدور الأستاذ الجامعي نفسه.
فالجامعة الريادية تحتاج إلى أستاذ جامعي لا يكون ناقلًا للمعرفة فحسب، وإنما مرشدًا وموجهًا وميسرًا للابتكار. ويحتاج هذا الدور إلى تطوير حقيقي في مفهوم الإشراف الأكاديمي، بحيث يصبح الأستاذ قادرًا على مساعدة الطلبة في فهم السوق ونموذج الأعمال وحماية الملكية الفكرية وإدارة المشروع والتعامل مع المستثمرين، إلى جانب دوره العلمي والتخصصي.
كما أن ثقافة الريادة لا يمكن أن تبقى محصورة في مركز واحد داخل الجامعة. فنجاحها يتطلب أن تصبح جزءًا من الثقافة المؤسسية للكليات والأقسام والبرامج الأكاديمية، وأن تتكامل مع البحث العلمي والتعليم والتدريب وخدمة المجتمع. وكل كلية يمكن أن يكون لها مسارها الخاص في الابتكار، بما يتناسب مع طبيعة تخصصاتها وتحديات القطاعات التي تخدمها.
وهنا تظهر أهمية رؤية الجامعة في تطوير محتوى مساق الريادة والابتكار بما يراعي خصوصية التخصصات الأكاديمية ويربطها بسياقات البرامج المختلفة. فالطالب في الهندسة يحتاج إلى نموذج مختلف عن الطالب في الأعمال أو الصيدلة أو تكنولوجيا المعلومات، لكن الجميع يحتاج إلى مهارات التفكير الريادي، وحل المشكلات، واكتشاف الفرص، والعمل ضمن الفريق، والتعامل مع المخاطر، وفهم السوق.
إن الأردن، الذي يمتلك نسبة كبيرة من الشباب المتعلم، لا يستطيع أن ينظر إلى الريادة باعتبارها خيارًا إضافيًا. لقد أصبحت جزءًا من متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا فإن الجامعات يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، ليس فقط من خلال تخريج الكفاءات، وإنما من خلال تحويل جزء من هذه الكفاءات إلى أصحاب مشاريع ومبتكرين ومؤسسين لشركات ناشئة.
والجامعة الهاشمية، بما تمتلكه من طاقات أكاديمية وطلابية ومراكز متخصصة، لديها فرصة لأن تكون في مقدمة الجامعات الأردنية التي تبني هذا النموذج بصورة مؤسسية.
لكن الطموح يجب ألا يتوقف عند الاحتضان.
فالمرحلة الطبيعية التالية هي بناء مسرعات أعمال جامعية متخصصة، وربطها بصناديق استثمار، وإنشاء شبكة من المستثمرين والخبراء والخريجين الناجحين، وربط المشاريع الواعدة بحاضنات ومسرعات وطنية وإقليمية، وربما إنشاء صندوق جامعي للاستثمار في المشاريع الطلابية التي تثبت جدواها.
كما يمكن للجامعة في مراحل لاحقة أن تتجه إلى بناء محفظة من الشركات الناشئة المنبثقة عن مشاريع الطلبة والباحثين، بحيث تصبح الجامعة شريكًا حقيقيًا في رحلة الابتكار، مع الحفاظ على حقوق الطلبة والباحثين والجامعة وفق أطر واضحة وعادلة للملكية الفكرية والعوائد.
وهذا هو الانتقال الحقيقي من "حاضنة مشاريع" إلى "منظومة ريادة جامعية".
فالجامعة التي تنجح في إنشاء شركة ناشئة واحدة قادرة على الاستمرار والنمو قد تحقق أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا أكبر من عشرات الأنشطة التقليدية. والجامعة التي تخلق بيئة تجعل الطالب يفكر في تأسيس شركة قبل تخرجه، وتمنحه الأدوات والخبرة والشبكات اللازمة لذلك، تكون قد غيرت جوهر تجربته التعليمية.
ولذلك فإن ما يحدث في الجامعة الهاشمية اليوم يستحق الدعم والتشجيع والمتابعة، ليس لأن أربعة مشاريع وقعت اتفاقيات احتضان، وإنما لأن وراء هذه الاتفاقيات فكرة أكبر: أن الجامعة توقع مع الطلاب و تستطيع أن تكون جزءًا من الحل الاقتصادي، وأن الطالب يمكن أن يكون منتجًا للفرص وليس فقط باحثًا عنها، وأن المعرفة الجامعية يمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية.
لقد تغير العالم من حولنا، وتغيرت معه طبيعة الوظائف والمهارات والأسواق. والذكاء الاصطناعي والرقمنة والتحول الأخضر والاقتصاد المعرفي لم تعد عناوين مستقبلية، بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه على الجامعات والمؤسسات والمجتمعات.
وفي مثل هذا الواقع، لا يكفي أن نعلّم أبناءنا كيف ينجحون في الامتحان، بل علينا أن نعلمهم كيف يكتشفون المشكلة، وكيف يصنعون الحل، وكيف يختبرون الفكرة، وكيف يقنعون المستثمر، وكيف يبنون فريقًا، وكيف يصلون إلى العميل، وكيف يحولون الفشل إلى معرفة، وكيف يحولون المعرفة إلى فرصة.
وهذا هو المعنى الأعمق لريادة الأعمال في الجامعة.
إن قيمة برنامج احتضان المشاريع الريادية الطلابية في الجامعة الهاشمية لا تكمن فقط في الأربعة آلاف دينار التي يمكن أن يحصل عليها المشروع، ولا في مساحة العمل أو التدريب أو الاستشارات، وإنما في الرسالة التي يوجهها البرنامج إلى الطالب: فكرتك يمكن أن تكون بداية شركة، ومعرفتك يمكن أن تتحول إلى منتج، ومشكلتك يمكن أن تصبح فرصة، ومستقبلك ليس بالضرورة وظيفة تنتظرها، بل ربما مشروع تصنعه.
ومن هنا، فإن الدورة الأولى من هذا البرنامج ينبغي ألا تكون محطة نهائية، بل بداية لمسار طويل وطموح يجعل الجامعة الهاشمية بيئة جاذبة للابتكار، ومختبرًا لتوليد الشركات الناشئة، وجسرًا بين المعرفة والسوق، وشريكًا فاعلًا في التنمية الاقتصادية الوطنية.
فالمستقبل لن يكون فقط لمن يملك المعرفة، وإنما لمن يستطيع أن يحوّل المعرفة إلى قيمة.
والجامعات التي تدرك هذه الحقيقة مبكرًا ستكون أقدر على قيادة المستقبل، لا مجرد الاستعداد له.
ولعل أجمل ما يمكن أن نراه بعد سنوات من الآن هو أن بعض الأفكار التي بدأت اليوم على طاولة صغيرة داخل الجامعة الهاشمية، بجهود مجموعة من الطلبة ومشرفيهم، أصبحت شركات أردنية ناجحة، توظف الشباب، وتنافس في الأسواق الإقليمية، وتحمل معها اسم الجامعة والوطن إلى العالم.
عندها فقط يمكن القول إن الاحتضان نجح، وإن الجامعة لم تحتضن مشاريع فحسب، بل احتضنت المستقبل نفسه. وهذة هي الهاشمية جامعة الريادة والابتكار