facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يصبح النقد تهمة .. ماذا يبقى من معنى التمثيل الشعبي؟


د. محمد خالد العزام
08-08-2026 12:24 PM

ألا يعلم بعض الوزراء والنواب أن الدستور الأردني كفل للمواطن حق إبداء رأيه؟ أم أن حرية الرأي تصبح حقًا مقدسًا عندما تكون في مصلحة المسؤول، وتتحول إلى عبء عندما تتجه سهام النقد نحوه؟

السؤال هنا ليس موجهًا إلى شخص بعينه، ولا يراد منه التجريح أو التشهير، وإنما هو سؤال يمس جوهر العلاقة بين المواطن والمسؤول، وبين من انتخب ومن مُنح ثقة تمثيله.

فالنواب لم يصلوا إلى قبة البرلمان من فراغ، وإنما جاءوا بأصوات الناس وثقتهم. ومن منح صوته لمرشح، منحه معه حق المساءلة والنقد والمتابعة. ومن الطبيعي، بل ومن صميم الحياة الديمقراطية، أن يقول المواطن: هذا القرار لم يعجبني، وهذا الموقف لا يمثلني، وهذه الممارسة لا تتوافق مع تطلعاتي.

فالنائب الذي يمثل الشعب لا يمكن أن يكون بمنأى عن الشعب، والوزير الذي يتولى مسؤولية عامة لا يمكن أن يُحاط بسياج يمنع المواطن من إبداء رأيه في أدائه.

لقد كفل الدستور الأردني في المادة (15) حرية الرأي والتعبير، وأتاح لكل أردني أن يعبر عن رأيه بالقول أو الكتابة أو غيرها من وسائل التعبير، ضمن حدود القانون. كما جاءت المادة (128) لتؤكد أن التشريعات لا يجوز أن تمس جوهر الحقوق والحريات التي كفلها الدستور.

وهنا تكمن المسألة في جوهرها: الاختلاف في الرأي ليس جريمة، والنقد ليس إساءة بالضرورة، والمساءلة الشعبية ليست اعتداءً على هيبة الدولة.

الدولة القوية لا تخشى صوت مواطن، والمسؤول الواثق من أدائه لا يرى في السؤال خصومة، ولا في النقد مؤامرة، ولا في الرأي المختلف تهديدًا لموقعه.

فالكرسي العام ليس ملكية خاصة، والمنصب الوزاري أو النيابي ليس حصانة من النقد، وإنما هو مسؤولية عامة، وكل مسؤول في موقع القرار يدرك، أو ينبغي أن يدرك، أن الأضواء لا تسلط على المنصب فقط، بل على الأداء والقرارات والمواقف أيضًا.

وإذا وصل بنا الأمر إلى أن يخشى المواطن أن ينتقد نائبًا انتخبه، أو أن يبدي رأيه في أداء وزير، خوفًا من أن يجد نفسه أمام شكوى أو قضية، فإننا نكون أمام سؤال أكبر من مجرد خلاف عابر: ما الذي يبقى من معنى التمثيل الشعبي إذا أصبح الناخب مترددًا في محاسبة من اختاره؟

الانتخابات ليست يومًا ينتهي عند صندوق الاقتراع، وإنما هي عقد معنوي مستمر بين النائب والناس. والصوت الذي منحه المواطن للنائب لا يعني أن المواطن سلّم له صكًا مفتوحًا، بل يعني أنه منحه الثقة ليمارس دوره، مع بقاء حقه في السؤال والنقد والمراجعة.

ولا يعني هذا أن حرية التعبير بلا حدود؛ فالقانون هو الفيصل، والفرق كبير بين النقد الموضوعي وبين السب أو التشهير أو الاتهام غير المستند إلى دليل. لكن في المقابل، لا يجوز أن يتحول كل نقد إلى إساءة، وكل اختلاف إلى جريمة، وكل رأي لا يوافق المسؤول إلى قضية.

المسؤولية العامة تحتاج إلى صدر رحب، كما تحتاج إلى قانون عادل. وتحتاج الدولة إلى أن توازن بدقة بين حماية كرامة الأشخاص من جهة، وحماية حق المواطن في التعبير من جهة أخرى.

فالمواطن ليس مطلوبًا منه أن يكون جمهورًا يصفق طوال الوقت. الديمقراطية ليست مسرحًا يقف فيه المسؤول على الخشبة، بينما يكتفي الجمهور بالتصفيق. الديمقراطية مساحة واسعة للأسئلة والاختلاف والنقد والمراجعة، وفيها قد يصفق المواطن حين يقتنع، وقد يعترض حين يختلف، وقد ينتقد حين يرى أن هناك خللًا.

ومن هنا، فإن احترام حرية الرأي لا ينتقص من هيبة المسؤول، بل يزيدها. والقبول بالنقد لا يضعف الدولة، بل يجعل مؤسساتها أكثر قوة وثقة.

أما إذا أصبح المطلوب من المواطن أن يصفق فقط، وأن يعتبر كل قرار صائبًا، وكل موقف حكيمًا، وكل أداء مثاليًا، فهنا علينا أن نتوقف ونسأل: لماذا الانتخابات؟ ولماذا التمثيل النيابي؟ ولماذا المشاركة الشعبية؟

الدولة التي تحترم مواطنيها لا تخشى أصواتهم، والمسؤول الذي يؤمن برسالته لا يخشى النقد، والنائب الذي جاء من رحم الناس ينبغي أن يكون أقرب إلى أسئلتهم من أن يكون بعيدًا عنها.

وفي النهاية، ليست القضية قضية وزير أو نائب أو مواطن بعينه؛ إنها قضية مبدأ.

فحين يكون صوت المواطن محترمًا وهو يؤيد، يجب أن يبقى محترمًا وهو يعترض. وحين تكون حرية الرأي حقًا دستوريًا، فلا ينبغي أن تصبح قيمتها مرتبطة بمقدار توافقها مع مزاج المسؤول.

فالسلطة تتغير، والمواقع تتبدل، والوجوه تأتي وتغادر، لكن الدستور يبقى، وحقوق المواطنين تبقى، ويبقى الوطن أكبر من أي منصب وأبقى من أي مسؤول.

وهذه هي قوة الدولة الحقيقية: أن يكون فيها مواطن يستطيع أن يقول "نعم" حين يقتنع، وأن يقول "لا" حين يختلف، دون أن يشعر أن صوته قد يتحول من حق إلى تهمة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :