facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مملكة بوتان ونبيلة الحشوش


د. صالح سليم الحموري
08-08-2026 01:12 PM

مصادفة الأرض والدبلوماسية، في الأسبوع نفسه الذي ارتفع فيه صوت المزارعة نبيلة الحشوش دفاعًا عن أرضها في غور الصافي، وقّع الأردن ومملكة بوتان، يوم الاثنين 3 أغسطس 2026، بيانًا مشتركًا لإقامة علاقات دبلوماسية بينهما.

وُقّع البيان في مقر البعثة الأردنية الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، بهدف تعزيز الصداقة والتعاون السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي بين البلدين.

قد يبدو الحدثان منفصلين.

نبيلة تتحدث عن أرض مهددة بالاستملاك في الأغوار الجنوبية، ودبلوماسيون يؤسسون علاقة رسمية مع مملكة بعيدة في جبال الهيمالايا.
لكن بين الحدثين رابطًا اسمه: الأرض.

بوتان ليست دولة عادية في علاقتها بالأرض. إنها مملكة اختارت ألا تقيس تقدمها بالناتج المحلي وحده، بل بما تسميه «السعادة الوطنية الإجمالية». وجعلت حماية البيئة أحد الأعمدة الأساسية لهذه السعادة.

وينص دستورها على أن تبقى 60 في المئة على الأقل من مساحة البلاد مغطاة بالغابات إلى الأبد. فالأرض هناك ليست مساحة تنتظر الاستثمار، والطبيعة ليست عائقًا أمام التنمية، بل جزء من تعريف التنمية نفسها.

وفي غور الصافي، تقف نبيلة الحشوش لتعبّر عن الفكرة ذاتها بلغتها البسيطة: "نحن ناس ما بنفهم إلا بالزراعة".

نبيلة لا تحمل مؤشرًا للسعادة الوطنية، ولا تتحدث بلغة الاستدامة والتنوع الحيوي، لكنها تعرف الأرض بيديها. تعرف متى تعطش، ومتى تُزرع، ومتى تنضج الثمرة، وكم يحتاج البيت من موسم جيد ليبقى بابه مفتوحًا.

بوتان تحمي الأرض لأنها تراها أساسًا للسعادة.

ونبيلة تحميها لأنها تراها أساسًا للحياة.

في بوتان، الغابة ليست أرضًا معطلة، بل ثروة وطنية تحمي المياه والتنوع الحيوي، وتمتص الكربون، وتصون حق الأجيال المقبلة.

وفي غور الصافي، الأرض ليست مجرد دونمات يمكن قياسها وتعويضها. إنها موسم وبيت وذاكرة ومصدر رزق. ولهذا أعادت نبيلة النقاش حول الاستملاك إلى سؤاله الأول: "لماذا تأخذون أرضي أصلًا؟".

هذا السؤال لا يعارض التنمية، لكنه يطالبنا بإعادة تعريفها.

فالتنمية ليست أن نضع مشروعًا فوق الأرض فقط، بل أن نسأل قبل ذلك: من يعيش من هذه الأرض؟ وماذا تنتج؟ وما القيمة التي قد نخسرها ولا تظهر في دراسة الجدوى؟

وحين تسأل نبيلة: "البندورة اللي بتاكلها منين بتجيك؟"، فهي لا تسأل عن ثمرة، بل عن الأمن والسيادة الغذائية. تذكّرنا بأن الطعام لا ينبت على رفوف المتاجر، وأن وراء كل ثمرة أرضًا وماءً وشمسًا ويد إنسان.

لقد اختارت بوتان أن تقول للعالم إن الاقتصاد ليس المقياس الوحيد للتقدم، وإن حماية البيئة ليست تكلفة تعطل التنمية، بل استثمار يحمي المستقبل.

وتقول نبيلة المعنى نفسه بطريقتها.

بوتان قدّمت فلسفتها في دستور ومؤشر وطني.

ونبيلة قدّمتها في سؤال شعبي وموقف صادق.

لكن الرسالة واحدة: الأرض ليست سلعة فقط.

نستطيع حساب مساحة الأرض وتقدير ثمنها ورسم حدودها على الخرائط، لكننا لا نستطيع بسهولة حساب الذاكرة التي تحملها، ولا عدد المواسم التي عاشتها الأسرة فوقها، ولا مقدار الانتماء المدفون في ترابها.

ولعل إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الأردن وبوتان في هذا التوقيت تفتح بابًا يتجاوز السياسة والاقتصاد. إنها فرصة ليتعلم البلدان من بعضهما، وأن يصبح احترام الأرض وحماية الزراعة والأمن الغذائي جزءًا من التعاون الجديد بينهما.

فالأردن، الذي يواجه ندرة المياه وضغوط الأمن الغذائي وتراجع الأراضي الزراعية، يستطيع أن يجد في تجربة بوتان ما يستحق التأمل: كيف تصبح حماية الطبيعة سياسة دولة؟ وكيف تدخل قيمة الأرض في حسابات التنمية قبل اتخاذ القرار؟

وبوتان قد تجد في الأردن قصصًا إنسانية تذكّر بأن حماية الأرض لا تبدأ دائمًا من الدساتير والمؤسسات. أحيانًا تبدأ من مزارعة تقف أمام الجميع وتقول: هذه أرضي.

بين بوتان ونبيلة الحشوش درس واحد: الأرض التي نرثها ليست رصيدًا نستهلكه، بل أمانة نسلّمها لمن سيأتي بعدنا.

هناك دول تمتلك الأرض، ودول تحميها.

وهناك أناس يملكون الأرض، وأناس تسكنهم الأرض.

بوتان اختارت أن تحميها بالدستور.

ونبيلة اختارت أن تحميها بصوتها.

أما الأردن، وهو يفتح صفحة دبلوماسية جديدة مع مملكة بوتان، فأمامه فرصة لأن يجعل الأرض صفحة مشتركة بين البلدين.

وما أجمل أن تبدأ الصداقة بين مملكتين من قيمة لا تحتاج إلى ترجمة: حب الأرض وحمايتها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :