نبيل فهمي .. حين يصبح الحوار مسؤولية
د. هيفاء ابوغزالة
08-08-2026 02:14 PM
خلال زيارة ليوم واحد إلى القاهرة، رغبت في لقاء معالي الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل فهمي. لم أكن قد رتبت للقاء مسبقًا، ولم أتوقع، في ظل مسؤولياته وجدول أعماله، أن يكون ذلك ممكنًا بهذه السرعة. لكن أقل من ساعة كانت كافية بين طلب اللقاء ودخولي مكتبه. ولهذا أبدأ بالامتنان لمعاليه، لا لأنه استقبلني فحسب، بل لأنه فعل ذلك بهذه العفوية والسرعة، في لفتة قدرتها كثيرًا.
ولم يحتج اللقاء إلى مقدمات طويلة. استهل معاليه الحديث بالإشارة إلى فترة قيادتي لقطاعي الاعلام والشؤون الاجتماعية في جامعة الدول العربية، وما شهده القطاعين خلالها من حراك وفاعلية وحضور على أجندة العمل العربي المشترك. كانت شهادة أعتز بها، خصوصًا أنها جاءت في مستهل حديث لم يكن مخصصًا لاستعادة الماضي، بل سرعان ما انتقل إلى الحاضر وما يحمله المستقبل.
وفي سياق الحديث عن توليه مسؤولية الأمانة العامة، توقف عند مفارقة لافتة. قال إن معظم الذين باركوا له بالمنصب، على اختلاف مواقعهم، انتهوا تقريبًا إلى العبارة نفسها: «الله يعينك».
توقفت عند هذه العبارة.
فهي، على بساطتها، ربما كانت أبلغ توصيف لحجم المهمة. فعندما تتحول التهنئة بمنصب بهذا المستوى إلى دعاء بالعون، فهذا يعني أن الجميع يدرك أن ما ينتظر الأمين العام ليس احتفاءً بمنصب، بل مسؤولية ثقيلة في توقيت عربي بالغ الحساسية.
ومن هنا أخذ الحديث مداه.
وجدت أمامي شخصية سياسية ودبلوماسية وحقوقية سريعة البديهة، واضحة في طرحها، تعرف ماذا تريد، ولا تقلل من حجم التحديات. وكان الحديث عن الجامعة والمنطقة والتوقعات الكبيرة التي تحيط بمن يتولى قيادة هذه المؤسسة في وقت لم تعد فيه الأزمات العربية ملفات منفصلة يمكن التعامل مع كل منها بمعزل عن الآخر.
فالجامعة العربية لا تعمل في فضاء سياسي مثالي. إنها مؤسسة تضم دولًا تختلف في أولوياتها وحساباتها ومصالحها، وتواجه ملفات تتجاوز في كثير من الأحيان قدرة دولة واحدة على التعامل معها. وبين ما تتوقعه الشعوب من الجامعة وما تسمح به إرادات الدول الأعضاء، يتحرك الأمين العام في مساحة دقيقة، مطالبًا بتوسيع مساحات الاتفاق، وإدارة الاختلاف، والمحافظة على قنوات الحوار مفتوحة مهما بلغت صعوبة اللحظة.
والمرحلة التي يتولى فيها الدكتور نبيل فهمي المسؤولية ليست مرحلة عادية. المنطقة أمام تحولات تتجاوز الأزمات التقليدية التي اعتدنا إدارتها. هناك حروب وصراعات لم تُحسم، وأزمات إنسانية تتفاقم، وموازين قوى تتغير، وتحالفات يعاد تشكيلها، ونظام دولي تبدو كثير من قواعده موضع اختبار.
وفي الوقت نفسه، تتقدم تحديات من نوع آخر لا تقل خطورة: الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والأمن المائي والغذائي، والتحولات الاقتصادية، والهجرة، والتغير المناخي، ومستقبل الأجيال الشابة. وهي قضايا لا تنتظر انتهاء النزاعات السياسية حتى نتفرغ لها؛ إنها تتقدم بسرعة، وتفرض نفسها على الدول والمؤسسات والمجتمعات معًا.
وهنا يكمن، في تقديري، أحد أهم التحديات أمام الجامعة العربية: هل تبقى في موقع الاستجابة للأزمات بعد وقوعها، أم تنتقل إلى استشرافها قبل أن تتحول إلى أزمات؟ وهل تستطيع أن تجعل من العمل العربي المشترك مشروعًا للمستقبل، لا مجرد آلية لإدارة خلافات الحاضر؟
فالجامعة التي يحتاجها العرب في المرحلة المقبلة لا يكفي أن تكون مكانًا يلتقون فيه، بل ينبغي أن تكون قادرة على إنتاج الأفكار، واستشراف التحولات، وطرح المبادرات، وربط القرار السياسي بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي تعيد تشكيل العالم.
ولعل المهمة الأصعب أمام أي أمين عام ليست أن يجعل الدول العربية تتفق في كل شيء؛ فهذا غير واقعي حتى في أكثر التكتلات الدولية تماسكًا. المهمة هي ألا يتحول الاختلاف إلى قطيعة، وألا يطغى المختلف عليه على ما هو مشترك، وأن تبقى هناك مساحة يمكن للعرب أن يلتقوا فيها عندما تصبح الحاجة إلى اللقاء أكبر من الخلاف.
وهنا تحديدًا يصبح الحوار مسؤولية.
ليس الحوار الذي ينتهي بصورة تذكارية وبيان ختامي، وإنما الحوار الذي يحتمل الاختلاف، ويبحث عن الممكن عندما يبدو الاتفاق بعيدًا، ويُبقي الباب مفتوحًا عندما تدفع الأزمات نحو إغلاقه.
غادرت اللقاء وأنا أستعيد العبارة التي سمعها الدكتور نبيل فهمي مرارًا منذ توليه المسؤولية: «الله يعينك».
نعم، سيحتاج الأمين العام إلى العون. لكن الجامعة نفسها تحتاج قبل ذلك إلى إرادة عربية تعينها. فالأمين العام، مهما امتلك من خبرة ورؤية وقدرة على الحركة، لا يستطيع وحده أن يصنع عملًا عربيًا مشتركًا. قوة الجامعة ليست منفصلة عن إرادة دولها، وفاعليتها تبدأ عندما يقرر العرب ماذا يريدون منها، والأهم: ماذا يريدون أن يفعلوا معًا.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا سيفعل نبيل فهمي بجامعة الدول العربية؟
السؤال الأصعب هو: ماذا يريد العرب أن يفعلوا بجامعتهم؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة. ففي عالم لا ينتظر المترددين، وفي منطقة تتغير خرائط مصالحها وتحالفاتها أمام أعيننا، لم يعد الحوار ترفًا دبلوماسيًا، ولم يعد العمل العربي المشترك عبارة تصلح للبيانات الختامية. إما أن يتحول إلى قدرة حقيقية على قراءة المستقبل والتأثير فيه، أو سيأتي المستقبل وقد كتبه الآخرون لنا.
وعندها، لن يكون السؤال من يعين الأمين العام، بل من يعين العرب على استعادة قدرتهم على الفعل معًا.