facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




البرلمان .. صوت الأمة أم صدى السلطة؟


د عصام جدوع العواملة
08-08-2026 04:59 PM

ليس البرلمان مجرد مبنى يجتمع فيه النواب لإقرار القوانين أو مناقشة السياسات العامة، بل هو في جوهره المؤسسة التي تمنح صوت المواطنين مكانًا داخل الدولة. فوجود البرلمان لم يكن يومًا غاية في ذاته، وإنما وسيلة لضمان ألا تنفرد أي سلطة بإدارة الشأن العام، ولتبقى إرادة الأمة حاضرة في صناعة القرار من خلال ممثليها.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يوجد برلمان؟ بل: هل يمارس البرلمان دوره الذي رسمه له الدستور؟

إن وظيفة البرلمان لا تقتصر على التشريع، بل تشمل الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، ومساءلتها، ومناقشة سياساتها، وإقرار الموازنة العامة، وتمثيل مصالح المواطنين والدفاع عنها. وكلما مارس البرلمان هذه الوظائف باستقلالية وكفاءة، ازداد توازن النظام السياسي، وتعززت ثقة المواطنين بمؤسسات دولتهم.

وتزداد أهمية البرلمان عندما يناقش مشروعات القوانين التي تمس حقوق المواطنين أو مصالحهم الاقتصادية، إذ ينتظر الرأي العام أن تكون المناقشات علنية، وأن تُطرح مختلف وجهات النظر، وأن يمارس النواب دورهم في دراسة التشريعات وتمحيصها، بما يعزز الثقة بالعملية التشريعية، سواء انتهى النقاش إلى إقرار المشروع أو تعديله أو رفضه.

ولعل من اللافت أن الدستور الأردني نص منذ عام 1952 على أن نظام الحكم نيابي ملكي وراثي. وليس من قبيل المصادفة أن يتصدر الوصف النيابي هذا التعريف الدستوري؛ فهو يعكس المكانة التي أرادها الدستور للتمثيل النيابي في بنية الدولة، باعتباره أحد الأركان التي يقوم عليها النظام الدستوري، إلى جانب المؤسسة الملكية، في إطار من التكامل والتوازن بين السلطات. ومن ثم، فإن قوة هذا الركن لا تُقاس بمجرد وجوده، بل بقدرته على ممارسة وظائفه الدستورية في التشريع والرقابة وتمثيل الأمة بكفاءة واستقلالية.

البرلمان لم يُنشأ ليكون شاهدًا على السلطة، بل شريكًا في تقييدها بالقانون ومساءلتها باسم الأمة.

ولهذا، فإن قوة البرلمان لا تُقاس بعدد جلساته، ولا بعدد القوانين التي يقرها، وإنما بقدرته على ممارسة الرقابة الدستورية بموضوعية، دون خوف أو مجاملة، ودون معارضة من أجل المعارضة، أو تأييد من أجل التأييد.

فالرقابة البرلمانية ليست خصومة مع الحكومة، بل إحدى أهم أدوات تحسين أدائها، وحماية المال العام، وترسيخ مبدأ المسؤولية السياسية.

إن البرلمان القوي لا يضعف الدولة، بل يقويها. فالدول الواثقة من مؤسساتها لا تخشى النقاش الحر، ولا تخشى المساءلة، لأنها تدرك أن النقد المسؤول يكشف مواضع الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات، وأن الحوار تحت قبة البرلمان يغني عن الاحتقان خارجها.

وفي المقابل، فإن البرلمان الذي يكتفي بتأييد ما يعرض عليه دون نقاش عميق، أو الذي يغيب عنه الدور الرقابي الفاعل، يفقد تدريجيًا قدرته على تمثيل المواطنين، وتتراجع ثقة المجتمع به، حتى وإن ظل قائمًا من الناحية الدستورية.

ومن هنا، فإن نجاح البرلمان لا يقاس فقط بسلامة الإجراءات، وإنما أيضًا بقدرته على التعبير عن تنوع المجتمع، ونقل هموم المواطنين، وموازنة المصالح المختلفة في إطار الدستور والقانون.

المؤسسات لا تُبنى لتجميل الدولة، بل لتقييد السلطة بالقانون. والبرلمان هو أحد أهم هذه المؤسسات؛ لأنه يجسد مبدأ أن السلطة التنفيذية، مهما بلغت كفاءتها، تظل خاضعة للرقابة والمساءلة في دولة القانون.

ولا يعني ذلك أن يكون البرلمان في مواجهة دائمة مع الحكومة، كما لا يعني أن يكون تابعًا لها. فالعلاقة بين السلطتين ليست علاقة صراع، وإنما علاقة توازن وتكامل، هدفها تحقيق المصلحة العامة. وعندما يختل هذا التوازن، تخسر الدولة قبل أن تخسر أي سلطة من سلطاتها.

إن البرلمانات العريقة لم تكتسب احترام شعوبها لأنها كانت توافق الحكومات دائمًا، أو تعارضها دائمًا، بل لأنها كانت مستقلة في قرارها، تجعل الدستور مرجعيتها، والمصلحة العامة بوصلتها، والمساءلة وظيفتها.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مجتمع على نفسه: هل يشعر المواطن أن صوته يصل إلى مؤسسات الدولة عبر ممثليه؟ فإذا كان الجواب نعم، فإن البرلمان يؤدي رسالته. أما إذا انقطعت هذه الصلة، فإن التحدي لا يكون في وجود البرلمان من عدمه، بل في كيفية تعزيز دوره الدستوري وتمكينه من أداء رسالته.

فالبرلمان ليس مؤسسة لتزيين المشهد السياسي، بل هو الضمير الدستوري للأمة. وكلما كان صوته معبرًا عن المواطنين، ازدادت قوة الدولة، وتعززت شرعيتها، وترسخت الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

ويبقى المبدأ الذي لا يتغير: الدولة القوية ليست تلك التي تُسمَع فيها السلطة فقط، بل تلك التي يُسمَع فيها الشعب أيضًا من خلال مؤسساته الدستورية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :