أين يقف الأردن في الخريطة الاقتصادية العربية الجديدة؟
د. حمد الكساسبة
08-08-2026 09:56 PM
* حين يتغيّر الاقتصاد من حولنا
لا تتغيّر الخريطة الاقتصادية العربية اليوم لأن الاقتصادات تكبر أو تتباطأ فقط، بل لأن الأدوار نفسها يُعاد توزيعها، في ظل اضطراباتٍ أمنيةٍ وسياسيةٍ متصاعدةٍ في الشرق الأوسط، عمّقتها الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وما رافقها من ضغوطٍ على الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. فرأس المال يتحرك نحو قطاعات جديدة، وسلاسل التوريد تعيد اختيار مواقعها، والتكنولوجيا تقلل قيمة بعض المزايا القديمة وتخلق مزايا لم تكن موجودة قبل سنوات. وفي مثل هذه التحولات، لا يكون السؤال الأهم للدول الصغيرة: كيف نحافظ على ما لدينا؟ بل: أي دور نريد أن نختاره قبل أن تستقر الخريطة من حولنا؟
يدخل الأردن هذه المرحلة باقتصاد نما بنحو 2.8% في عام 2025، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً يقارب 2.7% في عام 2026. وهذه الأرقام تعكس قدرة الاقتصاد على الاستمرار في بيئة إقليمية صعبة، لكنها تشير أيضاً إلى أن تحسين الأداء داخل المسار القائم قد لا يكون كافياً وحده. فالمنافسة المقبلة لن تكون فقط على رفع معدل النمو، بل على الدخول مبكراً في الأنشطة التي ستقود جزءاً مهماً من النمو والاستثمار الإقليمي خلال السنوات القادمة.
وهنا يبرز فرق جوهري بين اقتناص فرصة عابرة وبناء ميزة يصعب استبدالها. فالفرصة قد تنتقل بتغير الأسعار أو الحوافز، أما الميزة الحقيقية فتنشأ عندما يصبح وجود الدولة مفيداً باستمرار لشركائها وأسواقها. ومن هنا يستحق النقاش الاقتصادي الأردني سؤالاً أكثر تحديداً: ليس فقط ما الذي نستطيع إنتاجه، بل ما الذي يمكن أن نجعل الاقتصادات المحيطة بحاجة إلى الأردن من أجله؟
وقد تكمن الإجابة في مجموعة محددة من التخصصات، لا في محاولة المنافسة في كل شيء. فالأردن يستطيع الجمع بين الخدمات الرقمية والصحية والتعليمية، والصناعات الدوائية والغذائية المتخصصة، والخدمات المهنية، وبعض الأنشطة المرتبطة بالمياه والطاقة والتكنولوجيا. والميزة لا تكمن في حجم كل قطاع منفرداً، بل في بناء كتلة من القدرات المتكاملة تمنح الاقتصاد الأردني تخصصاً واضحاً، وتفتح أمامه مجالات يمكن أن يراكم فيها المعرفة والاستثمار والأسواق.
ويقتضي ذلك أيضاً إعادة تعريف حجم السوق. فعدد السكان داخل المملكة لا ينبغي أن يكون المقياس الوحيد للفرصة الاقتصادية. الشركة الأردنية التي تستطيع الوصول إلى الخليج أو العراق أو أسواق أخرى رقمياً أو تجارياً تعمل عملياً داخل سوق أكبر من حدودها الوطنية. ولذلك يصبح الهدف هو جعل الأردن قاعدةً للوصول إلى أسواق متعددة، بحيث تنخفض كلفة دخولها ويقصر الزمن اللازم لخدمتها، فيتسع الحجم الفعلي للفرصة أمام المنتج والمستثمر الأردني.
وبالمثل، يحتاج الاستثمار إلى الانتقال من الجذب العام إلى الاستهداف الاقتصادي. فالاستثمار الأعلى قيمةً ليس بالضرورة الأكبر حجماً، بل الذي يضيف جزءاً مفقوداً إلى سلسلة إنتاج، أو يجلب مورداً جديداً، أو يفتح سوقاً خارجيةً، أو ينقل معرفةً يحتاجها الاقتصاد. ومع وصول البطالة بين الأردنيين إلى نحو 21.1% في الربع الأول من عام 2026، يصبح السؤال عن نوع الوظائف التي يخلقها الاستثمار ومستوى إنتاجيتها ودخلها أكثر أهميةً من الاكتفاء بعددها.
وتقودنا هذه الفكرة إلى معيار آخر هو كلفة الوصول. فالنقل والطاقة والجمارك والرقمنة والتمويل ليست ملفات منفصلة حين ينظر إليها المستثمر أو المصدر؛ كلها تحدد الزمن والكلفة والمخاطر التي تفصل المنتج الأردني عن السوق. ولذلك فإن قيمة البنية التحتية والإصلاحات تُقاس بمدى قدرتها على تقصير هذه المسافة الاقتصادية. وكلما أصبح الوصول إلى السوق أسرع وأقل كلفةً وأكثر قابليةً للتنبؤ، تحولت الجغرافيا الأردنية إلى ميزة تنافسية حقيقية.
ولا تكمن الفجوة اليوم في غياب البرامج، فالبرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي 2026–2029 يوفر قاعدةً واسعةً للعمل، بل في تحويل الأولويات القائمة إلى اختيارات أكثر تركيزاً. فعندما تتحدد المجالات التي يمكن للأردن أن يبني فيها ميزةً إقليميةً، يصبح من الأسهل توجيه التعليم والتمويل والبنية التحتية والحوافز والاستثمار نحوها. أما توزيع الجهد بالتساوي على عشرات المسارات فقد يحسن الأداء، لكنه لا يصنع بالضرورة تفوقاً يصعب على الآخرين تقليده.
وفي النهاية، لن تُحسم المنافسة الاقتصادية المقبلة فقط بمن يملك رأس المال الأكبر أو السوق الأوسع، بل بمن يستطيع أن يجعل نفسه جزءاً ضرورياً من حسابات الآخرين. وهنا تكمن فرصة الأردن: أن ينتقل من البحث عن فرص داخل الاقتصاد الإقليمي إلى بناء مصالح تجعل وجوده جزءاً من تلك الفرص. فالموقع الأقوى ليس ما نعلنه لأنفسنا، بل ما يصبح الآخرون بحاجةً إليه؛ وعندها لا يكون الأردن مجرد متأثر بالخريطة الاقتصادية الجديدة، بل طرفاً له وزن في تشكيلها.