البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي 2026–2029
د. حمد الكساسبة
10-08-2026 01:00 AM
بعد ستة أشهر من بدء تنفيذ البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي 2026–2029، يصبح من المناسب التوقف عند ما تحقق وقراءة مسار التنفيذ بهدوء وموضوعية. ويُحسب للحكومة أنها أطلقت البرنامج الثاني كما أعلنت، وواصلت نشر تقارير المتابعة وإطلاع الرأي العام على تقدم المشاريع. وهذه الاستمرارية مهمة، لأنها تؤكد أن الرؤية تسير ضمن مسار مؤسسي ممتد، وأن البرنامج الثاني ليس بداية جديدة، بل مرحلة تبني على ما تحقق خلال البرنامج التنفيذي الأول وتفترض الانتقال تدريجياً من التأسيس إلى نتائج أكثر وضوحاً.
ومن المهم تحديد نطاق التقييم منذ البداية. فالحديث هنا عن الأشهر الستة الأولى من البرنامج التنفيذي الثاني، وليس عن رؤية التحديث الاقتصادي بمسارها الكامل، ولا عن نتائج برنامج يمتد حتى عام 2029. ومن المنصف اعتبار نهاية عام 2025 نقطة أساس، ومنتصف عام 2026 نقطة قياس أولى. فلا يُطلب من برنامج لأربع سنوات أن يحقق أهدافه النهائية خلال ستة أشهر، لكن من الطبيعي أن نسأل ما إذا كانت وتيرة التنفيذ ومساره ينسجمان مع الزمن المتاح والمستهدفات المحددة له. كما أن التقدم في التنفيذ لا يعني تلقائياً تحقق النسبة المطلوبة من المستهدف السنوي؛ فالمعيار الأدق هو ما تحقق حتى منتصف العام مقارنة بما كان مقرراً لعام 2026، مع مراعاة طبيعة كل مشروع ومراحله الزمنية.
ويظهر تقرير النصف الأول حركة تنفيذية واضحة في عدد من المحركات والمشاريع، كما يربط في عدد من الحزم الإنجاز بالنتيجة أو بالأثر المستهدف. وهذه خطوة إيجابية تتجاوز مجرد تعداد الأنشطة. لكن ذلك يفتح الباب أمام مستوى أكثر تقدماً من التقييم: ما الإطار الزمني لكل أثر؟ وما الذي كان يفترض تحققه خلال عام 2026، وما الذي يمتد إلى السنوات اللاحقة حتى 2029؟ وعند تقييم النصف الأول يصبح السؤال الأدق: ما الجزء من الأثر الذي كان مستهدفاً حتى نهاية حزيران 2026، وكم تحقق منه فعلياً؟
فالفرق الأساسي ليس بين وجود الأثر في التقرير أو غيابه، بل بين وصف الأثر وقياس مقدار تحققه. فعندما يُذكر أن مشروعاً يهدف إلى تحسين خدمة، أو زيادة الغطاء النباتي، أو تعزيز الاستدامة، فإن ذلك يوضح وجهة المشروع. أما الصورة الأكثر اكتمالاً فتحتاج، متى كانت البيانات متاحة، إلى بيان مقدار التغير مقارنة بما كان قائماً قبل التنفيذ، ونسبة ما تحقق من المستهدف المرحلي. والمقصود هنا ليس التقليل من قيمة الإنجاز، بل جعل أثره أكثر وضوحاً للرأي العام وأكثر فائدة لصانع القرار.
وتتضح أهمية ذلك في القطاعات الخدمية. فتطوير المدارس والمراكز الصحية والخدمات الرقمية يمثل تقدماً مهماً، لكن قيمة هذه المشاريع تصبح أكثر وضوحاً حين تظهر آثارها على المستفيد: هل انخفض الاكتظاظ؟ هل تحسن الوصول إلى الخدمات الصحية؟ وهل تراجع عدد الخطوات والزيارات اللازمة لإنجاز المعاملات؟ وهنا ينتقل الاهتمام من عدد المنشآت أو الخدمات التي تم تطويرها إلى مقدار التحسن الذي أحدثته في حياة المواطن.
وفي القطاعات الاقتصادية، يصبح معيار النتائج أكثر أهمية. فالاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص يحتلان موقعاً رئيسياً في البرنامج التنفيذي الثاني، ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج بصورة متزايدة إلى إظهار ما انتقل من الاستثمار إلى التنفيذ والإنتاج الفعلي، وما نتج عنه من قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة. فالأرقام المعلنة تكتسب معناها الاقتصادي الكامل عندما تتحول إلى نشاط إنتاجي جديد يوسع قاعدة الاقتصاد ويرفع إنتاجيته وقدرته على خلق فرص العمل.
وينطبق المنطق نفسه على البيئة المستدامة والمشاريع الكبرى. فالتقرير يعرض خطوات في الاقتصاد الأزرق والدائري والتشجير وإدارة النفايات، ويربطها بنتائج وآثار بيئية مستهدفة. والخطوة التالية هي أن يصبح مقدار هذا الأثر أكثر قابلية للقياس والمقارنة. أما المشاريع الكبرى في المياه والطاقة والنقل، فمن غير المنصف مطالبتها بأثر نهائي بعد أشهر قليلة، لكن من الممكن متابعة الالتزام بالمراحل الزمنية والكلف والمستهدفات المرحلية، بما يوضح مبكراً أين يسير التنفيذ كما خُطط له وأين يحتاج إلى تسريع أو معالجة.
ومع تقدم البرنامج التنفيذي الثاني، يصبح من الطبيعي أن يرتفع معيار التقييم. فما كان مهماً في مرحلة الإطلاق، من بدء المشروع أو استكمال إجراء أو بناء إطار مؤسسي، يفترض أن يتبعه تدريجياً تركيز أكبر على النتائج القابلة للقياس. ويمكن لتقارير المتابعة المقبلة أن تعزز ما بدأه تقرير النصف الأول من خلال عرض أكثر بساطة ووضوحاً لخط الأساس، والمستهدف المرحلي، والمتحقق، ومقدار التغير الفعلي.
وعليه، فإن تقرير النصف الأول يقدم صورة إيجابية عن اتساع حركة التنفيذ، ويُحسب له ربط عدد من الإنجازات بالنتائج والأثر. لكن نجاح المرحلة الثانية لن يحدده عدد المشاريع التي دخلت التنفيذ، ولا اتساع قائمة الإنجازات وحدهما، بل مقدار التغيير الذي أحدثته هذه المشاريع في الاقتصاد والخدمات ونوعية الحياة. ومع مرور الوقت، يصبح من حق الرأي العام أن يعرف بصورة أكثر مباشرة: أين كنا؟ ماذا استهدفنا؟ ماذا تحقق؟ وما الذي تغير فعلياً؟ فرؤية التحديث الاقتصادي مشروع وطني طويل الأجل، وأفضل ما يدعم استمراره هو التقييم الموضوعي، ووضوح النتائج، وإتاحة مؤشرات تسمح للجميع بمتابعة مقدار التقدم المتحقق.