أبو البلوزة الحمراء .. حين يتقدّم الإنسان على البروتوكول
د. محمد خالد العزام
10-08-2026 01:10 AM
في المناسبات الوطنية، اعتدنا المشهد نفسه: مسؤولون ووجهاء، مصافحات مرتبة، وترحيب رسمي وكلمات تليق بالمقام. لكن أحيانًا، وسط كل هذا البرود المنظم، تحدث لحظة صغيرة... لحظة عابرة في ظاهرها، لكنها تترك في القلب أثرًا لا يُمحى.
هذا ما حدث لي خلال زيارة معالي رئيس الديوان الملكي الهاشمي إلى لواء الرمثا. كنت أتابع المشهد كغيري: الوجهاء يتقدمون، والمسؤولون يصافحون، والبروتوكول يسير كالعادة. حتى ظهر فجأة رجل بسيط الحال، يرتدي بلوزة حمراء باهتة، لا أعرف اسمه حتى الآن.
حاول أن يقترب. حاول أن يمد يده. فمنعوه.
قد يمرّ هذا المشهد على كثيرين دون أن يلتفتوا. أما أنا، فقد شعرت بشيء يعتصر في صدري. رأيت في تلك اللحظة كل ما نحاول أن ننساه: المسافة بين الإنسان والمنصب، بين اليد الممدودة والحاجز، بين المواطن البسيط والحراسة.
سمعت كثيرًا عن تواضع رئيس الديوان، وعن ابتسامته، وعن قربه من الناس. لكن الكلام شيء، واللحظة الحقيقية شيء آخر. وفي تلك الثانية، حين ابتسم ومدّ يده رغم كل شيء، رأيت ما لا تستطيع الكلمات وصفه. رأيت إنسانًا لم يُلغِ إنسانيته المنصب.
الرجل بالبلوزة الحمراء لم يكن يحمل لقبًا ولا منصبًا ولا جاهًا. كان يشبهنا جميعًا. كان يشبه ذلك المواطن الذي أرهقته الحياة، وأتعبته الظروف، وأثقلته القرارات الاقتصادية، ومع ذلك بقي يحتفظ بكرامة لا تُكسر. كان يريد فقط أن يُرى. أن يشعر أن المسؤول الذي يقف أمامه ما زال يراه... بعيدًا عن الألقاب والحواجز.
ولذلك كانت تلك المصافحة أكبر من مجرد سلام. كانت لحظة إنسانية نادرة في زمن أصبح فيه القرب ترفًا. كانت رسالة صامتة تقول: أنت موجود، وأنا أراك.
ومن هنا أقول لمعالي رئيس الديوان الملكي الهاشمي: سلام عليك. سلام على إنسانيتك التي لم يطفئها المنصب، وعلى ابتسامتك التي جعلت المشهد أقل رسمية وأكثر دفئًا، وعلى يدك التي امتدت حين كان يمكن أن تبقى خلف البروتوكول.
أنا لا أكتب هذا مجاملة، ولا لأن المناسبة تستدعي المديح. أكتبه لأنني رأيت موقفًا لمس شيئًا عميقًا في داخلي. رأيت فيه معنى جميلًا ونادرًا للتواضع: أن تبقى قادرًا على رؤية الإنسان، حتى وأنت في أعلى المواقع.
المسؤول الحقيقي ليس من يجلس على الكرسي فحسب، بل من يستطيع وهو عليه أن يرى من يقف بعيدًا، بلا لقب وبلا جاه. وأجمل ما في المسؤولية أن لا تغيّر الإنسان، وأن تبقى يده قادرة على الامتداد لمن لا يملك إلا يده.
أما أبو البلوزة الحمراء... الرجل الذي دخل المشهد بلا اسم، وخرج منه بلا عنوان، فقد بقيت صورته في ذاكرتي كأنها محفورة. لم يكن يحمل شيئًا سوى كرامته، لكنه ترك وراءه درسًا لا يُنسى: أن الإنسان يبقى إنسانًا، مهما اختلفت الملابس والمواقع والمقاعد.
وهذا هو ما يعطي الموقف قيمته الحقيقية، وللابتسامة معناها الأعمق، وللتواضع مكانته التي لا يملؤها شيء آخر.