أبو البلوزة الحمراء… حين يصبح المجهول أكثر حضورًا من أصحاب المناصب
د عصام جدوع العواملة
10-08-2026 01:11 AM
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾
توقفت طويلًا أمام هذه الآية الكريمة.
القرآن لم يذكر اسم الرجل، ولا نسبه، ولا عشيرته، ولا ماله، ولا مهنته، ولا منصبه.
قال فقط:
«رَجُلٌ».
ثم ذكر ماذا فعل.
جاء من أقصى المدينة يسعى، وقال لقومه ما آمن به، فخلّد القرآن موقفه وأثره، لا اسمه ومكانته.
ومن هنا جاءتني قصة «أبو البلوزة الحمراء».
رجل لا نعرف اسمه، ولا نعرف منصبه، ولا نعرف مقدار ما يملك.
عرفناه فقط من بلوزته الحمراء.
كان يقف خلف صف من أصحاب البدلات الرسمية، حين حاول أن يمد يده ليسلّم على رئيس الديوان الملكي.
وفي لحظة خاطفة، بدا وكأن هناك من أراد أن يعيده إلى الخلف.
ربما كانت حركة عابرة.
وربما كان لها تفسير آخر لا نعرفه.
ولذلك لا أريد أن أحاكم النيات، ولا أن أتهم أحدًا، ولا أن أحوّل لحظة عابرة إلى خصومة شخصية.
لكنني أريد أن أتوقف عند المعنى الذي وصل إلى الناس من المشهد.
لأن بعض الصور لا تحتاج إلى شرح طويل.
الناس رأت رجلًا بسيطًا يحاول أن يصافح.
ورأت في الجهة الأخرى عالمًا من البدلات والمناصب والوجاهة.
ثم حدثت المفارقة.
رئيس الديوان الملكي نفسه مدّ يده إلى الرجل وصافحه.
انتهت المصافحة…
لكن الحكاية بدأت.
فجأة أصبح السؤال:
من هو أبو البلوزة الحمراء؟
لا أحد تقريبًا كان يعرفه قبل تلك اللحظة.
ومع ذلك، أصبح حديث الناس.
صاروا يبحثون عن صورته، ويسألون عن قصته، ويكتبون عنه، ويدافعون عنه.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.
لماذا تعاطف الناس معه إلى هذا الحد؟
لأنهم لم يروا فيه شخصًا واحدًا.
رأوا أنفسهم.
رأوا الإنسان البسيط الذي يقف أحيانًا في آخر الصف.
رأوا الموظف الصغير.
والعامل.
والرجل الذي قضى عمره يعمل بصمت.
ورأوا المواطن الذي لا يملك واسطة تقرّبه، ولا منصبًا يقدمه، ولا مالًا يجعل الآخرين يفتحون له الطريق.
رأوا إنسانًا لا يملك إلا كرامته.
وهنا يصبح السؤال أكبر من «أبو البلوزة الحمراء».
أي مجتمع هذا الذي يحتاج فيه الإنسان إلى منصب حتى يُحترم؟
أي مجتمع يجعلنا نغيّر نبرة أصواتنا أمام صاحب السلطة، ونبتسم أكثر لصاحب المال، ونفسح الطريق لصاحب الجاه، بينما قد نتجاوز الإنسان البسيط وكأنه غير موجود؟
من قال إن البدلة تجعل الإنسان أكثر قيمة؟
ومن قال إن الكرسي يرفع الإنسان فوق الإنسان؟
ومن قال إن الفقر ينتقص من الكرامة؟
المنصب عابر.
والكرسي عابر.
والمال عابر.
والشهرة عابرة.
حتى الذين نصفق لهم اليوم قد لا يذكرهم أحد غدًا.
أما الموقف فقد يبقى.
وهنا تعود بنا الآية إلى المعنى العظيم:
«وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى».
رجل لم نعرف اسمه، لكننا عرفنا موقفه.
لم نعرف كم كان يملك، لكننا عرفنا ماذا قدّم.
لم نعرف أين كان يجلس بين قومه، لكننا عرفنا أين وقف عندما احتاج الحق إلى من يقف معه.
وهذه هي القيمة الحقيقية للإنسان.
ليس المهم دائمًا من أنت في نظر أصحاب النفوذ.
المهم:
ماذا فعلت؟
ماذا قدمت؟
كيف عاملت الضعيف عندما كنت قويًا؟
كيف عاملت البسيط عندما كنت قادرًا على أن ترفع من شأنه أو أن تكسره؟
وهنا تحديدًا تصبح قصة «أبو البلوزة الحمراء» مؤلمة وجميلة في الوقت نفسه.
لأن الرجل لم يطلب شهرة.
ولم يطلب منصبًا.
ولم يطلب شيئًا من أحد.
ربما أراد فقط أن يمد يده بالسلام.
لكن تلك اليد امتدت، دون أن يدري، إلى وجدان الناس.
وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل الأردنيين يتعاطفون معه.
لأنه ببساطة واحد منهم.
هو الإنسان الذي قد يدخل مجلسًا مليئًا بأصحاب المعالي والألقاب، ثم يسأل نفسه بصمت:
هل يراني أحد؟
هل لمصافحتي قيمة؟
هل لي مكان هنا؟
وهذه الأسئلة أخطر من الحادثة نفسها.
لأن المجتمع الذي يجعل الإنسان يسأل عن قيمته بسبب ملابسه أو ماله أو منصبه، يحتاج إلى أن يراجع ميزانه الأخلاقي.
لا تغتروا بالبدلات، ولا تنحنوا كثيرًا أمام الكراسي.
احترموا المنصب، نعم.
واحترموا صاحب المسؤولية، نعم.
لكن لا تجعلوا المنصب معيارًا لقيمة الإنسان.
فالكرامة ليست بطاقة دخول إلى مجلس.
وليست لقبًا يسبق الاسم.
وليست كرسيًا مرتفعًا.
الكرامة حق.
والمجتمع الحقيقي لا يُقاس بطريقة استقباله لأصحاب السلطة فقط، بل بطريقة تعامله مع الإنسان الذي لا يملك سلطة.
لذلك لا أريد أن تتحول قصة «أبو البلوزة الحمراء» إلى حملة على شخص.
ولا إلى شماتة بأحد.
بل أتمنى أن تتحول إلى سؤال أمام كل واحد منا:
لو كنت مكان صاحب السلطة، هل كنت سترى الإنسان قبل ملابسه؟
ولو كنت مكان الرجل البسيط، هل كنت ستبقى محافظًا على كرامتك؟
ولو كنت واقفًا في ذلك الصف، هل كنت ستتركه في الخلف؟
أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى خطاب طويل حتى يكشف شيئًا عن المجتمع.
تكفي حركة صغيرة.
تكفي يد تمتد.
وتكفي يد أخرى تحاول إبعادها.
ثم تأتي مصافحة واحدة لتعيد التوازن إلى المشهد.
والأجمل أن الله سبحانه قد يرفع إنسانًا لا يعرفه أحد، فيجعله حديث الناس، بينما يترك آخرين ممن ظنوا أن المكانة تصنع الخلود.
وهنا تعود الآية إلى الذاكرة مرة أخرى:
«وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى».
لم يقل القرآن لنا: كان غنيًا.
ولا قال: كان صاحب منصب.
ولا قال: كان من علية القوم.
قال:
رجل.
ثم خلّد عمله.
ولذلك ربما تكون الرسالة التي تركها لنا «أبو البلوزة الحمراء» أبسط مما نتصور:
قد لا يعرف الناس اسمك.
وقد لا يعرفون منصبك.
وقد لا يعرفون مقدار ما تملك.
لكنهم سيتذكرون كيف جعلتهم يشعرون.
وقد تُنسى البدلة.
وقد يُنسى الكرسي.
وقد ينتهي المنصب.
لكن موقفًا واحدًا قد يبقى في ذاكرة الناس سنوات طويلة.
فليس المهم دائمًا من أنت…
بل ماذا قدمت، وكيف عاملت الإنسان عندما كنت قادرًا على أن تكرمه أو تهينه.
أما «أبو البلوزة الحمراء»…
فربما لم يكن يعرف أنه جاء ليصافح رجلًا مهمًا.
لكنه خرج من ذلك المكان بصورة صافحت وجدان شعب كامل.
وربما كان المجهول في ذلك المشهد هو الأكثر حضورًا.
لأن الله وحده يعلم…
ماذا بينك وبينه يا أبا البلوزة الحمراء.