الضمان الاجتماعي أم التقاعد؟ ماذا تقول تجارب العالم؟
كامل الروضان
10-08-2026 01:15 AM
لم يكن انتقال الأردن إلى نظام الضمان الاجتماعي قراراً منفصلاً عن التحولات التي شهدتها أنظمة الحماية الاجتماعية في العالم. ومع مرور السنوات، أصبح الضمان الاجتماعي جزءاً أساسياً من حياة العامل الأردني ومستقبله، وأصبحت أمواله في نظر المشتركين حقوقاً تراكمت من سنوات العمل والاشتراك.
ولهذا فإن النقاش الدائر اليوم حول مستقبل الضمان الاجتماعي لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة بين المواطن والمؤسسة، ولا إلى سؤال عاطفي عن من نريد أن ننتصر له. السؤال الحقيقي هو: هل كان تبني نظام الضمان الاجتماعي هو الخيار الأفضل للأردن؟ وهل ما زال كذلك؟ أم أن العودة إلى نظام تقاعد مدني أو عسكري، أو إلى نظام يجمع بين الاثنين، يمكن أن تكون أكثر ملاءمة؟
للإجابة، علينا أن ننظر إلى تجارب الدول، لا إلى تجربة واحدة، وأن نقارن بين الدول الغنية والفقيرة، وبين الاقتصادات الكبيرة والصغيرة، وأن نأخذ في الاعتبار عدد السكان، ومتوسط الأعمار، ونسبة العاملين إلى المتقاعدين، وقوة الاقتصاد وقدرته على تمويل معاشات المستقبل.
والحقيقة الأولى التي تكشفها التجربة العالمية هي أنه لا يوجد نظام تقاعدي واحد يصلح لجميع الدول.
فالدول المتقدمة نفسها لا تعتمد نموذجاً واحداً. هولندا والدنمارك والسويد والمملكة المتحدة، على سبيل المثال، تجمع بدرجات مختلفة بين معاش عام وأنظمة تقاعد مهنية أو خاصة ممولة. وفي هولندا، تصل نسبة الإحلال الصافية المتوقعة للعامل ذي المسار المهني الكامل ومتوسط الأجر إلى نحو 96%، وهي من أعلى النسب بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وفي الدنمارك، يوجد معاش عام يوفر قاعدة حماية، إلى جانب صناديق تقاعد مهنية واسعة الانتشار. أما السويد، فقد أعادت تصميم نظامها وربطت الحقوق التقاعدية بالدخل والتغيرات الاقتصادية والديموغرافية، بحيث لا تنفصل الالتزامات المستقبلية عن قدرة الاقتصاد على تمويلها.
والنرويج تقدم درساً مهماً آخر. فقد أدى ارتفاع متوسط العمر وانخفاض نسبة العاملين إلى المتقاعدين إلى إصلاح النظام وربط المعاش المتوقع بالتغير في متوسط العمر، بحيث أصبح من الممكن أن يعمل الإنسان مدة أطول إذا أراد الحفاظ على مستوى أعلى من معاشه.
وفي كندا، يقوم نظام معاشات الشيخوخة على الاشتراكات والاستثمار طويل الأجل من خلال خطة معاشات كندا، وهي تجربة مهمة في الجمع بين النظام العام والاستثمار المهني طويل الأجل.
أما أستراليا، فقد اختارت نموذجاً مختلفاً يقوم على معاش حكومي أساسي إلى جانب نظام ادخار تقاعدي إلزامي يعرف باسم “ضمان التقاعد”، وقد بلغت مساهمة أصحاب العمل فيه 12% من الأجر.
حتى الولايات المتحدة، صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، ليست بمنأى عن المشكلة. فصندوق الضمان الاجتماعي الأمريكي يستطيع، وفق التقديرات الرسمية لعام 2026، دفع كامل الاستحقاقات المجدولة حتى عام 2034، وبعد ذلك قد تكفي الإيرادات الجارية لنحو 83% من الاستحقاقات إذا لم تتغير القوانين. وهذا يؤكد أن قوة الاقتصاد وحدها لا تعني أن نظام التقاعد لا يحتاج إلى إصلاح.
وفي المقابل، هناك دول اتجهت في مراحل سابقة إلى خصخصة جزء كبير من معاشاتها ثم عادت إلى تعزيز دور النظام العام، مثل الأرجنتين والمجر وبولندا. لكن من الخطأ وصف هذه التجارب بأنها مجرد “فشل”، لأن أسباب التغيير كانت مختلفة، وشملت تكاليف الانتقال، والتغطية، والضغوط المالية، وتصميم النظام، والظروف الاقتصادية والسياسية.
إذن، ماذا نتعلم نحن في الأردن؟
نتعلم أن السؤال ليس ببساطة: الضمان أم التقاعد؟ فالعالم المتقدم لا يتعامل معهما كخيارين متناقضين بالضرورة. النظام الناجح هو الذي يوازن بين الاشتراكات، والاستثمار، وقدرة الدولة، وعدد المشتركين والمتقاعدين، ومتوسط الأعمار، ونمو الاقتصاد، والالتزامات المستقبلية.
ولهذا أعتقد أن المواطن الأردني يستحق إجابة واضحة بالأرقام: أين يقف الضمان اليوم؟ ما حجم موجوداته واستثماراته؟ ما حجم التزاماته المستقبلية؟ ما نسبة المشتركين إلى المتقاعدين؟ وما العائد على استثماراته؟ ومتى يمكن أن تظهر أي فجوة مالية، إن كانت موجودة؟
أنا لا أريد أن أنتصر للضمان على حساب المواطن، ولا للمواطن على حساب الضمان. أريد أن ينتصر الاثنان معاً.
فالضمان الاجتماعي وُجد لحماية المواطن، والمواطن هو الذي يمول الضمان. وإذا كان النظام مستداماً، فليطمئن المواطن بالأرقام والحقائق. وإذا كانت هناك تحديات حقيقية، فليعرفها المواطن مبكراً، حتى لا يدفع جيل واحد ثمن قرارات اتخذت عبر عقود.
إن الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يكون على حساب طرف واحد. المطلوب نظام متوازن يحفظ حق المواطن في معاش عادل ومستقر، وفي الوقت نفسه يأخذ بالاعتبار البيانات والدراسات الاكتوارية التي تستند إليها الحكومة ومؤسسة الضمان في تقدير مستقبل النظام. وإذا كانت هذه البيانات تشير إلى ضرورة الإصلاح، فليكن الإصلاح تدريجياً ومدروساً وواضحاً، مع حماية الحقوق التي اكتسبها من اقترب من التقاعد أو أمضى سنوات طويلة في الاشتراك.
وفي المقابل، إذا كشفت المراجعة الموضوعية أن هناك أخطاء سابقة في التقدير أو الإدارة أو اتخاذ القرارات، فيجب أن تكون هناك مسؤولية ومحاسبة، لا أن يتحمل المواطن وحده كلفة أخطاء الماضي.
ومن واجب من يدير هذه المؤسسة الوطنية الكبرى أن يجري دراسات اكتوارية دورية ومتواصلة، وأن يحول نتائجها إلى توصيات وقرارات في الوقت المناسب، حتى وإن كانت بعض القرارات صعبة أو مؤلمة. فالقرار الصعب الذي يُتخذ مبكراً قد يكون أقل ألماً بكثير من قرار مؤجل تفرضه الضرورة بعد أن تصبح المشكلة أكبر.
نحن لا نبحث عن انتصار الحكومة على المواطن، ولا عن انتصار المواطن على الحكومة؛ نبحث عن نظام عادل ومستدام، يحمي أموال الأردنيين اليوم، ويضمن رواتبهم غداً، ويضع المسؤولية على من اتخذ القرار، ويحفظ للدولة قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.