الملكة رانيا العبدالله .. حكاية امرأة جعلت من حضورها أثرا
د. عبدالله الشرعة
10-08-2026 10:21 AM
ليست كل الشخصيات تترك شيئا خلفها فهناك من يكتفي بالمكان الذي وصل إليه وهناك من يحاول أن يجعل من هذا المكان فرصة لفتح أبواب جديدة أمام الآخرين والملكة رانيا العبدالله اختارت الطريق الثاني منذ سنوات طويلة حين جعلت من القضايا الإنسانية والتعليمية والاجتماعية جزءا أساسيا من حضورها العام
في الأردن ارتبط اسم الملكة رانيا بالكثير من الملفات التي تمس حياة الناس بشكل مباشر وكان التعليم في مقدمة اهتماماتها و رؤيتها بأن المجتمعات لا تبنى بالطرق والمباني وحدها وإنما بالعقول التي تصنع المستقبل ولهذا دعمت جهودا متعددة هدفت إلى تطوير البيئة التعليمية والارتقاء بدور المعلم ومنح الأطفال فرصا أفضل للتعلم
ولم تنظر إلى المدرسة باعتبارها مكانا لتلقي الدروس فقط بل باعتبارها نقطة البداية لشخصية الطفل ومستقبله فاهتمامها بالتعليم اتخذ أبعادا أوسع شملت تشجيع المعلمين ودعم المبادرات التعليمية والتأكيد على أهمية مواكبة التطور في عالم تتغير فيه المهارات المطلوبة بسرعة كبيرة
ومن القضايا التي أخذت مساحة واضحة في عملها قضية الطفولة فقد كان صوتها حاضرا في الحديث عن حقوق الأطفال وحقهم في التعليم والحماية والعيش بكرامة ولم يكن هذا الاهتمام محليا فقط بل امتد إلى الساحة الدولية من خلال مشاركاتها في فعاليات ومنتديات تناولت مستقبل التعليم وقضايا الأطفال والشباب
أما المرأة فقد كانت حاضرة أيضا في رؤيتها للمجتمع الحديث إذ دعمت فكرة تمكينها وتعزيز مشاركتها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وأكدت في مناسبات عديدة أن تقدم المجتمع لا يمكن أن يكتمل عندما تبقى قدرات نصفه بعيدة عن المشاركة الفاعلة
وللشباب حكاية أخرى في مسيرتها فهم بالنسبة إليها ليسوا مجرد فئة تحتاج إلى الدعم بل قوة قادرة على صناعة التغيير ولهذا ارتبط اسمها بمبادرات تهدف إلى تطوير مهاراتهم وتشجيعهم على التفكير والابتكار وتحويل الأفكار إلى مشاريع وفرص حقيقية
وربما كان أحد أكثر الجوانب اختلافا في حضور الملكة رانيا قدرتها على الاقتراب من الجمهور بعيدا عن الصورة الرسمية التقليدية فقد استخدمت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي للحديث عن قضايا إنسانية وتعليمية بطريقة بسيطة ومباشرة وهو ما منح رسائلها مساحة واسعة للوصول إلى فئات مختلفة من الناس
كما أن حضورها لم يكن محصورا في المناسبات الكبرى فقد ظهرت في مدارس ومؤسسات ومبادرات مجتمعية والتقت بأشخاص من خلفيات مختلفة الأمر الذي جعل العمل الميداني جزءا من صورتها العامة وليس مجرد عنوان يذكر في المناسبات
وعلى المستوى الدولي أصبحت الملكة رانيا صوتا معروفا في عدد من القضايا المرتبطة بالتعليم واللاجئين وحقوق الأطفال وتمكين المجتمعات وقد ساعدها حضورها الدولي على نقل بعض القضايا العربية والإنسانية إلى منصات عالمية والتحدث عنها من زاوية إنسانية بعيدة عن الخطابات التقليدية
لكن الإنجاز الأهم في تجربتها لا يمكن اختصاره في مؤسسة أو مبادرة واحدة لأن تأثير الشخصيات العامة لا يقاس دائما بالأرقام وحدها فهناك أثر آخر يظهر في الأفكار التي تنتشر والقضايا التي تصبح أكثر حضورا والاهتمام الذي يصل إلى أشخاص لم يكن أحد يتحدث عنهم
وهنا تحديدا تبدو تجربة الملكة رانيا مختلفة فقد استطاعت أن تستخدم مكانتها لتسليط الضوء على موضوعات ربما لا تحصل دائما على الاهتمام الكافي وجعلت من التعليم والطفولة والشباب والمرأة محاور ثابتة في خطابها العام
ومع مرور السنوات لم تعد صورتها مرتبطة فقط بكونها ملكة الأردن بل أصبحت مرتبطة أيضا بالعمل من أجل الإنسان وبالحضور في قضايا تتجاوز حدود المكان واللقب
وربما لهذا السبب بقي اسم الملكة رانيا حاضرا في المشهد العربي والدولي فالقيمة الحقيقية لأي شخصية عامة لا تكمن في حجم الأضواء التي تحيط بها وإنما في مقدار الضوء الذي تستطيع أن تسلطه على قضايا الآخرين
الملكة رانيا العبدالله لم تكتف بأن تكون جزءا من المشهد بل اختارت أن يكون لها دور فيه وأن تجعل من حضورها مساحة للحديث عن مستقبل يبدأ من طفل يتعلم ومن شاب يطمح ومن امرأة تبحث عن فرصتها ومن مجتمع يريد أن يتقدم
وهكذا أصبحت قصتها أكبر من لقب ملكة وأقرب إلى تجربة امرأة قررت أن تجعل من موقعها وسيلة للتأثير وأن تترك وراءها أثرا يمكن أن يستمر حتى بعد أن تنتهي المناسبة وتنطفئ الكاميرات.