الصندوق الزجاجي، لماذا يجب أن يرى الأردنيون كيف تُصنع قوانينهم؟
سمير حمدان - بودابست
11-08-2026 12:42 AM
يعرف الأردني لمن أعطى صوته يوم الانتخابات، لكنه لا يعرف دائمًا أين ذهب ذلك الصوت تحت القبة، وهذه ليست فجوة تقنية صغيرة، بل فجوة في العلاقة بين المواطن وممثله، وقد أعادت حلقة للدكتور معن القطامين هذا السؤال إلى مكانه الصحيح، لماذا لا يكون التصويت في مجلس النواب إلكترونيًا واسميًا وشفافًا، فالنائب لا يصوت بصفته الشخصية، بل بصفته ممثلًا لمواطنين منحوه ثقتهم، وهؤلاء لا يطلبون منه أن يطيعهم، لكن من حقهم معرفة كيف استخدم تلك الثقة .
تخيل مواطنًا يفتح هاتفه بعد جلسة ناقشت قانونًا يمس أرضه أو منزله أو مصدر رزقه، لا يريد خطابًا ولا صورة للنائب تحت القبة، يريد إجابة واحدة، كيف صوّت نائبي، هل وقف مع القانون أم ضده، لكنه يجد أحيانًا نتيجة عامة لا تكشف موقف كل نائب، وهنا المفارقة، يعرف المواطن كيف استخدم صوته يوم الانتخابات، لكنه لا يعرف دائمًا كيف استخدم النائب ذلك الصوت يوم التشريع .
في الولايات المتحدة تتيح سجلات التصويت تتبع مواقف أعضاء الكونغرس، وفي بريطانيا يستطيع الناخب الرجوع إلى السجل البرلماني لمعرفة موقف ممثله، ولا يحتاج الأردن إلى تقليد أحد، لكن المبدأ واحد، لا مساءلة حقيقية إذا كان القرار ظاهرًا وصانعه مجهولًا، فالتصويت الاسمي ليس تحديثًا تقنيًا، بل ذاكرة سياسية تحفظ المسافة بين الوعد والفعل .
وقد أعاد الجدل حول قانون الملكية العقارية السؤال إلى الواجهة، فحين يتعلق التشريع بالأرض أو السكن أو مصدر رزق المزارعين، لا يعود سجل التصويت ترفًا، بل يصبح جزءًا من حق المواطن في معرفة من اتخذ القرار باسمه، ومن حق النائب أن يغير موقفه بعد نقاش أو معلومات جديدة، لكن من حق الناس معرفة أنه غيّره ولماذا .
وهنا يظهر الخلل الأعمق، ثقافة الغموض المريح، فالتصويت غير الاسمي يمنح النائب مساحة للهروب من التفسير، ويتيح للكتلة إخفاء خلافاتها، وللحزب أن يرفع برنامجًا انتخابيًا ثم يترك ناخبيه بلا وسيلة لقياس التزام نوابه به، وما يريح السياسي اليوم يرهق الدولة غدًا، لأنه ينتج مواطنًا لا يعرف من يحاسب، وبرلمانًا يصعب تقييمه، وأحزابًا تبقى عناوين انتخابية أكثر منها مشاريع سياسية .
لكن المفاجأة الأهم أن الديمقراطية لا تعيش فقط يوم الانتخابات، بل في السنوات الواقعة بين انتخابين، وإذا اختفى سجل التصويت اختفت ذاكرتها، وعندها تبدأ كل انتخابات تقريبًا من الصفر، شعارات جديدة ووعود جديدة ومرشحون يطلبون ثقة جديدة، من دون حساب واضح للثقة القديمة، وهنا يصبح الغموض أكثر من مشكلة شفافية، يصبح طريقة لمحو الذاكرة السياسية، بينما الديمقراطية الحقيقية لا تبدأ بصندوق الاقتراع فقط، بل تبدأ أيضًا بالقدرة على تذكر ما فعله الفائز بعد إغلاق الصندوق .
ولا ينبغي الخلط بين الشفافية والشعبوية، فالنائب ليس موظفًا لدى المزاج اليومي للشارع، وقد يتخذ موقفًا غير شعبي لأنه يراه ضروريًا للمصلحة العامة، لكن ثمن استقلاله هو الوضوح، أن يعلن موقفه ويشرح أسبابه ويتحمل كلفته السياسية، فالديمقراطية لا تضعف فقط عندما يمنع المواطن من التصويت، بل أيضًا عندما يصوت ثم يفقد القدرة على تتبع ما حدث لصوته .
والتصويت الاسمي لا يراقب النواب فقط، بل يصنع الأحزاب، فكيف يقيّم الناخب حزبًا يتحدث عن الضرائب والملكية والعمل والحريات إذا لم يعرف كيف صوت نوابه عندما تحولت الشعارات إلى قوانين، الحزب بلا سجل تشريعي يبقى اسمًا على ورقة اقتراع، أما الحزب الذي يمكن مقارنة وعوده بأصوات نوابه فيصبح مشروعًا يمكن مكافأته أو معاقبته .
الحل لا يحتاج إلى معركة دستورية ولا مؤسسة جديدة، بل إلى جعل التصويت الإلكتروني الاسمي هو الأصل في التشريعات والقرارات المؤثرة، ونشر النتائج فورًا على بوابة رقمية سهلة، وإنشاء سجل عام لكل نائب يعرض حضوره ومداخلاته وتصويته، بحيث يستطيع المواطن خلال دقائق مقارنة موقف ممثله بموقف حزبه وبرنامجه الانتخابي، فالتكنولوجيا هنا ليست الغاية، الغاية أن يصبح للصوت السياسي أثر لا يستطيع الزمن أو الغموض محوه .
هذه ليست وصفة لإحراج النواب، بل لحماية النائب الجاد من الذوبان داخل نتيجة جماعية، وليست تهديدًا للدولة، بل تحصينًا لها، لأن الدولة القوية لا تخشى ذاكرة مواطنيها، والبرلمان القوي لا يخشى أن يرى الناس كيف تُصنع قوانينهم، فالصندوق الزجاجي الحقيقي ليس صندوق الانتخابات، بل المؤسسة التي يستطيع المواطن أن يرى من خلالها ماذا حدث لصوته بعد الانتخابات، والبرلمان القوي لا يكتفي برفع الأيدي، بل يرفع مستوى المسؤولية .