facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بنك الأرض الأردني: من جغرافيا مجمدة إلى رأسمال للوطن والمواطن


عمر سالم خريسات
11-08-2026 01:07 AM

في وطن محدود الموارد كالأردن، لا يجوز التطلع إلى الأرض بوصفها مجرد مساحة جغرافية صامتة قيدت في دفاتر الخزينة، بل بصفتها اصول وطنية قابلة للتحول إلى تنمية حقيقية، واستثمار مستدام، وسكنٍ كريم، وفرص عمل واعدة، ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تأسيس (بنك وطني للأرض)؛ لا ليكون بوابة لبيع أملاك الدولة أو تسييل أصولها، بل ليعمل كذراع تخطيطية واستثمارية تتولى حصر الأراضي الأميرية المملوكة للخزينة، وتصنيفها، وتحديد أفضل استخداماتها، والحفاظ على المخزون الاستراتيجي منها، وتوجيه ما يصلح للتطوير نحو الإسكان، والصناعة، والزراعة، والمدن الجديدة؛ فالأرض التي تظل بلا وظيفة اقتصادية هي أصل مجمد، أما الأرض التي تدخل نطاق التخطيط فهي رأسمال متجدد للدولة والمواطن على حدّ سواء.

إن المعضلة التنموية في الأردن ليست ديمغرافية فحسب، بل هي معضلة جغرافية بامتياز تؤكدها التقديرات الرسمية؛ إذ يقطن العاصمة عمّان نحو 42% من سكان المملكة، بينما تستحوذ ثلاثة مراكز حضرية—عمّان وإربد والزرقاء—مجتمعةً على ما يقارب 75% من إجمالي السكان، في مقابل 8% فقط يقطنون المحافظات الجنوبية الأربع رغم أنها تشغل قرابة نصف مساحة المملكة. وهذا التباين الصارخ يعكس اختلالاً مكانيا لا يمكن معالجته بحلول جزئية كشقّ شارعٍ إضافي في عمّان أو توسيع حدود التنظيم حول المدن المكتظة؛ فكل توسّع عشوائي وغير مخطط له يعيد إنتاج الأزمة ذاتها في صورة ارتفاعٍ قياسي بأسعار العقار، وضغطٍ مستمر على البنية التحتية، ومن هنا ينبغي أن تتحول بوصلة التنمية من ملاحقة التوسع السكاني القائم إلى صناعة اتجاهات عمرانية واقتصادية حديثة تخلق واقعاً متوازنا.

ومما يعزز أهمية هذه الرؤية أن فكرة (بنك الأرض) ليست خيالا نظريا، بل تملك شواهد ومبادرات ميدانية تؤكد قابليتها للتحقيق؛ ويتجلى ذلك في مشروع مدينة عمرة الذي أطلقته الحكومة اعتمادا على مرحلة تنفيذية أولى بمساحة 40 ألف دونم من أصل نطاق شاسع يقارب نصف مليون دونم من أراضي الخزينة، بهدف استيعاب النمو السكاني وتخفيف الضغط العمراني عن عمّان والزرقاء وخلق ديناميكية اقتصادية جديدة ، و يضاف إلى ذلك مشاريع التطوير العقاري الميسر التي طرحتها الحكومة سابقاً في الزرقاء والكرك ومعان، والتي تضمنت تزويد الأراضي بالبنية التحتية وبيع قطع منها بشروط تشجيعية بلغت في بعض الحالات 50% من القيمة الإدارية للدونم مع تقسيطٍ لعشر سنوات دون فوائد. ورغم ما حققته هذه التجارب من نجاح جزئي، إلا أنها ظلت مبادرات متفرقة، وإذا ما جُمعت تحت مظلة «بنك وطني واحد»، ستشكل النواة الصلبة لإدارة العقار الوطني وفق رؤية شمولية تتجاوز الحلول المؤقتة.

ولكي تؤدي هذه المنظومة دورها المأمول، لا ينبغي ( لبنك الأرض) المنشود أن يغدو مجرد دائرة عقارات جديدة بآليات تقليدية، بل يجب أن يتحول إلى قاعدة بيانات جغرافية واقتصادية متكاملة لصناعة القرار الاستثماري ، وتبدأ هذه العملية بالحصر الرقمي الشامل لأملاك الخزينة وأتمتتها وربطها بالموقع، والمساحة، ونوع التنظيم، ومدى القرب من الطرق، ومصادر المياه، والطاقة، والسكك الحديدية، والمناطق الصناعية، ليتلو ذلك تصنيفها الاستراتيجي عبر فرز الأراضي إلى مخزون استراتيجي لحماية حقوق الأجيال القادمة، وأراضٍ مخصصة للتطوير السكني، وأخرى موجهة للاستثمار والإنتاج والمدن المستقبلية، وصولا إلى تنويع أدوات التصرف بالانتقال من البيع المباشر إلى أدوات اقتصادية حديثة كالإيجار طويل الأجل، وحقوق الانتفاع، والشراكة مع القطاع الخاص، أو إدخال الأرض كحصة عينية في المشروعات الاستثمارية. وهنا تتغير الفلسفة المالية للدولة؛ فبدل أن تسأل الدولة دائماً: من أين نموّل المشروع؟، يصبح السؤال الاقتصادي الأنجع: ما الأصل الذي نملكه ويمكن أن نجعله جزءا من التمويل؟.

غير أن نجاح هذه المنظومة مرهون بوجود سياجٍ قانونيٍ صارم؛ فأملاك الخزينة ليست مالاً مباحاً للتصرف الإداري غير المنضبط، بل هي مال عام بمعناه الاقتصادي والسيادي، يستوجب الإدارة الحصيفة لمصلحة الدولة والمجتمع، ويتطلب ذلك إقرار تشريع خاص أو إطار تنظيميٍّ محكم يحدد الصلاحيات وآليات التقييم والتخصيص وطرق التصرف بشفافية، ويكفل الرقابة الشديدة لمنع البيع العشوائي والمضاربة العقارية وحظر الاستفادة من المعلومات المسبقة. كما يجب إلزام البنك بالاحتفاظ بحصة استراتيجية من أراضي المدن الجديدة لحماية حقوق الأجيال القادمة؛ فالبيع الكامل في بداية أي مشروع قد يوفر إيراداً سريعاً، لكنه يحرم الخزينة من القيمة المضافة والارتفاع المستقبلي في أسعار الأصول، إذ إن الحكومة الرشيدة لا تبيع الأرض لتغطية عجز اليوم، بل تديرها لتصنع إيراد الغد.

إن الطموح الأكبر الذي يستحق أن تبنى عليه هذه الرؤية هو استخدام (بنك الأرض) لإنشاء أقطاب حضرية واقتصادية متكاملة في مواقع استراتيجية مدروسة من المملكة؛ مراكز موصولة بشبكات النقل والطاقة والمياه، وتوفر فرص العمل والخدمات الأساسية من جامعات ومستشفيات ومناطق صناعية وتجارية. وحينها، يتجاوز منح المواطن قطعة أرض بسعر تشجيعي مفهومَ المكرمة السكنية المجردة ليصبح جزءاً من سياسةٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ شاملة تعمل على خفض تكاليف السكن، وتحريك عجلة الإنشاءات، وجذب الاستثمارات، وإعادة التوازن المفقود بين أقاليم الشمال والوسط والجنوب. قد لا يملك الأردن تدفقات النفط والغاز، لكنه يمتلك الأرض والموقع والإنسان، والدولة التي تحسن إدارة أصولها لا تبيع ترابها، بل تحوّل الجغرافيا نفسها إلى ثروةٍ وطنية مستدامة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :