عمان في السبعينيات: ذكريات دافئة تحتضن الوطن
د.عبدالفتاح طوقان
12-08-2026 08:51 AM
في السبعينيات، كانت مدينة عمان تُشبه أسطورة جميلة، حيث تلاقت فيها الأصالة مع الحداثة، واحتضنت أهلها بحب ودفء. الشوارع كانت تعج بالحياة، وكل زاوية تحمل قصة، وكل ركن يختزن ذكرى. أستذكر دوار فراس في جبل الحسين، المكان الذي كان يتلألأ بالنشاط والحيوية بين الساعة الخامسة والسابعة مساءً.
كان دوار فراس متنفسا ورئه للمدينه وملتقى الأحبة و بمثابة القلب النابض للمدينة، حيث يجتمع فيه الأصدقاء والشباب والشابات. أتذكر سعد وبديع البسطامي، وتوفيق الشامي، وصخر السبول، وماجد ماضي، وروحي النابلسي، وعماد شحاتيت، وملحس، والشخشير، ودروزة والمعشر و مبيضين وعرار و الفايز و خير وغيرهم، الذين كانوا يلتقون هنا ليشاركوا أحلامهم وأفكارهم. ومع مرور الزمن، تم إزالة هذا الدوار، ليخسر المدينة واحدًا من أجمل أماكن التنزه والشراء.
ذكريات مقهى صغير يقدم الشاي والقهوة و الحلويات وتحت حراسه غير ظاهره وهو المكان الذي يجمع الأصدقاء وابناء المجتمع المخملي في الشميساني، والذي كان يُدعى "بابيش"، وهو مكان يحمل ذكريات لا تُنسى. أجواء المقهى كانت دافئة ومليئة بالحيوية. منجد مراد، خريج كلية فيكتوريا و زميل الملك الحسين هو صاحب المقهى، جعل منه قطعة من باريس، تعكس الطابع الأوروبي. مع كل فنجان قهوة، كنا ننسج القصص والأحاديث عن الحياة، الأحلام، والمستقبل.
كان "بابيش" من الأماكن المفضلة للأمير زيد بن شاكر وصديقه الدكتور البارع داوود حنانيا والذي كان يترددا عليه لتناول الشاي مع الجاتوه.
وهو المكان الذي وقع لي على ورقه مروسة باسم بابيش كتاب انهاء خدماتي من القوات المسلحة ارسلتها بالفاكس من القاهرة للأمن العسكري لانهاء الاجراءات . تلك اللقاءات عكست روح الانفتاح والتواصل بين مختلف فئات المجتمع، حيث كان يجتمع فيه المثقفون والفنانون والشباب وعالية القوم . أتذكر كيف كنا نجتمع مع الأصدقاء، نتبادل الضحكات والذكريات ونتشارك الأفراح والأحزان.
اما النادي الأرثوذكسي فقد كانت حفلات موسيقية رائعة ومسبح كبير نمضي به اوقات الصيف مع الأصدقاء ونتناول اطيب المأكولات من مطعمه الذي كان مفضلا لدينا .
لم تكن الطرق معبدة بعد للنادي الأرثوذكسي، لكن الحفلات الموسيقية والراقصة كانت تجمع الشباب والشابات في أجواء من الفرح في ايام الخميس مساءا . أتذكر تلك الأوقات التي دُعيت فيها لحضور الحفلات، وكانت بالملابس الرسمية الفستان الطويل للفتيات و البدلة وربطه العنق للشباب . ذهبت اكثر من مره بدعوة من صديقة اعتز بها، في سيارة والدها الستروين السوداء وهي من الطفيلة، والآن تعيش في لندن بعد أن حصلت على الدكتوراه ولم تعد للأردن . !!!
كانت وسط المدينة تجربة فريدة وكانت نظرتي لعمان مليئة بالحب والإعجاب. كنت أذهب مع أسرتي إلى وسط المدينة لشراء قطع من الصوف الإنجليزي من محلات المعشر وتفصيلها عند خياط ارمني ، وكان صاحب محلات المعشر يقف بأناقة، يرتدي بدلة أنيقة، وربطه عنق ومنديل في جيب الجاكيت ويجذب الأنظار بخاتمه المميز. بجانبه، كانت محلات "أبو لبن" تقدم البلوفرات والجرابات الإنجليزية الفاخرة.
اما مطعم هاشم الشهير فكان دعوة للذوق والتذوق للفول والحمص ، يدعوك برائحة الفلافل والفول والشاي بالنعناع، فلا مجال للمرور أمامه دون الدخول إليه.
في زاوية صغيرة، في الجهة المقابله كان الحلاق شقير في سوق الذهب هو الحلاق المفضل، بجانب محلات الأخ والصديق خالد سكجها للذهب.
انها ذكريات لا تُنسى وتتوالى الذكريات دون انقطاع فنحن كنا نذهب إلى مكتبة الاستقلال، في وسط البلد حيث كنا نشتري احتياجاتنا من الكراريس والأقلام. وبرايات ملونة ، بجانبها، كانت صيدلية الشخشير التي كنا نشتري منها كولونيا "أولد سبايس" والتى كانوا وكلاؤها في الأردن وبجانبهم محلات جردانه للصيدلع ابضا . ولا أنسى الكنافة من محل "حبيبة" في الزقاق الضيق بجانب البنك العربي، وكشك الثقافة لصاحبه أبو علي.
وعندما ياتي وقت السفر للالتحاق بالدراسة في كلية فيكتوريا بالإسكندرية كانت محلات صليبا رزق والكباريتي هي بداية نقطة الترتيب للحظات السفر فقد كانت صليبا رزق للصرافة والكباريتي هي المحطة للحصول على الدولارات، وقت كان الدينار يساوي ثلاث دولارات ونصف.
حقيقة انها أيام لا تنسى ومنها يوم تركيب أول إشارة مرورية أمام محل جبري ومحلات فريج للألبسة في عام ١٩٧٣. كانت قهوة السنترال ولعب طاولة الزهر والورق هي المواقع التي يرتادها الوزراء ورئيس الديوان الملكي.
وكانت سينما الحسين هي مزيج من أوقات الضحك والبكاء وكان العم زكريا الطاهر يمنحني دفتر تذاكر كامل لدول السينما فادعوا الأصدقاء و الصديقات للحضور المجاني وبذلك اصبحت ذو شعبيه خاصة لدى الجميع.
كانت سينما الحسين تُعرض فيها أفلام هندية لأبطال مثل راج كابور، وأفلام أمريكية لممثلين عظام مثل روبرت دي نيرو وصوفيا لورين وجان بول بلموندو وطبعا صباح وعبد الحليم حافظ وفؤاد المهندس . كل فيلم كان يحمل معه عالماً من الأحلام والقصص، حيث كنا نذهب لنضحك ونبكي مع الأبطال.
كان لصباح الجمعة طقوسا خاصة ومن أجمل الطقوس كانت تلك الصباحات ، عندما كنت أذهب ومعي عشر قروش لشراء طبقا من الفول والحمص من مطعم "أشكنتانا" في جبل الحسين، ومعه ثلاثة أرغفة من الخبز الساخن. كانت هذه اللحظات تمثل السعادة البسيطة التي تملء القلب فرحا وبعدها تم افتتاح مطعم روي للفول في منطقة بعيده غير مرصوفه بعد تعرف بارض الحمارات التى يملكها الإعلامي الكبير نظمي السعيد والتي هي الان عمارات و فنادق في الطريق إلي دوار الداخلية .
ذكريات عمان في السبعينيات، مليئة بالحنين والرومانسية، تعكس أوقاتاً جميلة لا تتكرر. لقد كانت المدينة آنذاك مثالاً للبساطة والود، حيث كانت الحارة بأكملها عائلة واحدة. في "بابيش"، عرفت وصدقت مع الأمراء والأميرات، ولا تزال تجمعنا أواصر الصداقة والذكريات التي لا يمحوها الزمن. نظرة واحدة إلى تلك الأيام تجعل القلب يحن إلى الوطن، إلى ماضي كان مليئاً بالألوان والذكريات الجميلة.
عمان، تلك المدينة، التى شهدت تعبيد وافتتاح شارع المدينة وكنا نتعلم قياده السيارات الجيب العسكرية تظل في الذاكرة والقلب، تذكرنا بأيام الشباب، وبالأحلام التي نسجناها تحت شمسها الدافئة.
عمان هي العشق الوحيد الذي لا يغادر القلب ولا الروح ، وهذا شعور ابناء وبنات عمان الذي لا يمكن وصفه خصوصا لمن ولدوا فيها وكان اول نفس هواء نقي لطفل حديث الولاده منها .
aftoukan@yahoo.com