ليس الحنين إلى الماضي حنينًا إلى البيوت القديمة أو السطوح والحارات بقدر ما هو حنين إلى الإنسان الذي كان يسكن تلك الأماكن؛ إلى زمن كانت فيه الحياة أبسط، لكن العلاقات أعمق، وكانت قيمة اليوم لا تقاس بما نملك، بل بمن يشاركنا تفاصيله.
من هنا يمكن فهم ما أثاره الأستاذ سمير الحياري في حديثه عن "ظهر الحيط" والذكريات القديمة. فقد كانت تلك الأماكن جزءًا من ذاكرة جيل كامل؛ مساحات مفتوحة تجمع العائلة والجيران والأصدقاء، وتمنح الكبار فرصة للحديث، والصغار فرصة للعب، والضيف مكانًا بين أهله. لم تكن هناك وفرة في وسائل الترفيه والاتصال، لكن الناس كانوا يجدون في بعضهم ما يكفي من الصحبة والأنس.
والأجمل أن تلك الحياة لم تكن مصطنعة. كانت العفوية عنوانها، والجيرة فيها علاقة حقيقية، والضيف لا يحتاج إلى موعد، والطفل يعرف أبناء حارته جميعًا، والأسرة تجتمع من دون أن تفصل بينها شاشة.
كانت السلط القديمة، وأحياؤها وبيوتها وساحاتها، مدرسة اجتماعية مفتوحة؛ يتعلم فيها الصغير احترام الكبير، وكرم الضيافة، ومساعدة الجار، وحفظ العِشرة. وحتى أبسط التفاصيل، من جلسة صيفية إلى لعبة جماعية أو زيارة عائلية، كانت تتحول مع مرور الزمن إلى ذكرى لا تُنسى.
ولم تكن الأماكن وحدها هي التي تغيرت. نحن أيضًا تغيرنا. أصبحنا نملك وسائل اتصال لا حصر لها، لكننا في أحيان كثيرة نفتقد ذلك التواصل البسيط الذي كان يجمع الناس حول جلسة واحدة وحكاية واحدة. أصبحت البيوت أكثر راحة، لكن لحظات الاجتماع فيها أقل. وكثرت الصور، لكن بعض أجمل اللحظات لم تعد تجد من يعيشها كما كان.
ولذلك فإن استعادة ذكريات ذلك الزمن ليست دعوة للعودة إلى الماضي، وإنما دعوة لاستعادة بعض قيمه. أن يبقى الجار جارًا، والضيف ضيفًا عزيزًا، والعائلة عائلة، وأن يجد الإنسان وقتًا للجلوس مع من يحب بعيدًا عن صخب الحياة الحديثة.
لقد تغيرت الحيطان، واختفت ملامح كثيرة من الحارات، وتبدلت ملامح الأماكن، لكن الذاكرة لا تهدمها الأبنية الجديدة. فما يبقى في النهاية ليس شكل البيت ولا عدد الغرف، وإنما الأصوات التي عاشت فيه، والوجوه التي ملأته، والقلوب التي جعلت منه وطنًا صغيرًا.
رحم الله أيامًا لم تكن غنية بالأشياء، لكنها كانت غنية بالناس.
وسقى الله زمنًا كان فيه القليل يكفي، والضيف عزيزًا، والجار قريبًا، والفرح مشتركًا.
فقد لا يكون أجمل ما في الماضي ما كان لدينا، بل من كانوا معنا.