الجلد المستمر .. ومملكة لا تتوقف عن النهوض
العين الدكتور أمجد الجميعان
13-08-2026 10:54 AM
لوحظ في الآونة الأخيرة تنامي ظاهرة الشكوى المستمرة لدى شريحة تجاه أداء الحكومات والمسؤولين، حتى غدت هذه الشكوى نمطاً متكرراً يتجدد مع كل تشكيل وزاري جديد، ومع كل قرار يُتخذ، بصرف النظر عن مضمونه أو جدواه. فما إن يتولى مسؤول موقعه حتى تبدأ المطالبات بوجه جديد وشخصية بديلة، وكأن التغيير لذاته بات غاية مقصودة، لا وسيلة لتحقيق إصلاح فعلي. واللافت أن هذا النقد كثيراً ما يفتقر إلى معايير واضحة، فلا يكاد يرضي المنتقدين أداء، ولا تجد الإنجازات من يعترف بها، بينما يتحول كل فرد إلى ناقد يرى في نفسه المصلح الأوحد والعارف بخفايا الأمور، دون أن يقدّم رؤية بديلة قابلة للتطبيق.
ويبقى التشكيك المستمر سمة ملازمة لهذا الخطاب، يقابله في المقابل رصيد من الإنجازات لا يستطيع أحد أن يجد له نقيضاً، فالأمثلة كثيرة وشاهدة، من مسيرة التنمية إلى ثبات الموقف السياسي والأمني، رغم أن قوى الشد العكسي ما زالت تحاول جاهدة إعاقة هذه المسيرة والنيل منها. غير أن صمود الدولة الأردنية، ومؤسسة العرش الهاشمي على وجه الخصوص، يبقى الشاهد الأكبر أمام كل هذه التحديات، دليلاً على أن ما يُبنى بالصبر والحكمة لا تهزّه الأصوات العابرة.
وحين يتكرر المطلب بـ"وجوه جديدة" بديلاً عن تدوير الشخصيات ذاتها، يحق للمرء أن يتساءل: من هي هذه الوجوه الجديدة التي يُنتظر ظهورها؟ فالغالب أن من يرفع هذا الشعار إنما يرى في نفسه ضمناً ذلك الوجه الجديد المنتظر، دون أن يملك من الرؤية أو الكفاءة ما يؤهله لذلك، فيتحول المطلب إلى شعار فضفاض يستهلك الوقت ولا يبني بديلاً حقيقياً.
ولا يقتصر هذا الجلد على المؤسسات، بل يمتد ليطال الدولة ومسيرتها بمجملها، في محاولة دؤوبة لتعطيل الإنجاز والتشكيك بكل من يتصدى للعمل العام، حتى بات المرء يتساءل عمّن ينتظره المنتقدون، وكأنهم يتطلعون إلى شخصيات مثالية لا وجود لها في عالم الواقع.
والحقيقة أن الأردن بلد آمن مستقر، ولا يجوز إنكار ما يواجهه أحياناً من محاولات تفجير أو زعزعة، بل الواجب مواجهتها بالحقيقة لا بالتنكر لها. فالقيادة الهاشمية الحكيمة أثبتت عبر تاريخها أنها كانت دوماً في مستوى التحدي، واجهت أصعب الظروف الإقليمية، ودافعت عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس بثبات لا يتزعزع، وظلت سنداً وداعماً لأشقائها العرب في محنهم، دون أن تتخلى يوماً عن دورها الريادي في المنطقة. وهذه المسيرة، رغم كل الأصوات الناقدة، ظلت ثابتة منذ التأسيس وحتى اليوم، وهو إنجاز لا يقل أهمية عن أي إنجاز آخر، ويستحق أن يُقرأ بعين الإنصاف لا بعين الجلد المستمر.