facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




يدٌ ممدودة .. كسرت البروتوكول


م. بسام ابو النصر
13-08-2026 07:36 PM

ربما كان أيمن الزعبي المواطن الذي ابتسم له الحظ في لحظة لم يكن يعرف أنها ستتحول إلى قضية يتداولها الناس، وصورة تستدعي كل هذا اللغط. ظهر الرجل وهو يمد يده ليسلم على رئيس الديوان الملكي الهاشمي معالي يوسف العيسوي، في مشهد يمكن أن يقرأه البعض باعتباره خروجاً عن قواعد البروتوكول، ويمكن لآخرين أن يروا فيه شيئاً أكثر بساطة وإنسانية: مواطن وجد أمامه مسؤولاً، فمد يده إليه .

لكن الغريب في هذه القصة ليس أن مواطناً مد يده، ولا أن المسؤول قبل منه تلك المصافحة، وإنما أن صورة عابرة استطاعت أن تفتح فجأة أبواباً كثيرة للنقاش، وأن تجعل البعض يجد ضالته في النقد، وكأن الصورة كانت تنتظر فقط من يمنحها تفسيراً يتناسب مع موقفه أو توجهه.

ولست مع الإساءة إلى النائب السابق فواز الزعبي، ولا مع أولئك الذين وجدوا في الصورة فرصة جاهزة لصناعة ترند يخدم حساباتهم أو توجهاتهم القادمة. كما أنني لست بصدد الدفاع عن أحد بقدر ما أنا بصدد الدفاع عن المواطن الذي ظهر في الصورة كقية أنتصر لها، لأن أيمن، في النهاية، ليس طرفاً في معركة سياسية، ولا ينبغي أن يصبح كذلك.

فالقصة، كما أفهمها، أبسط وأعمق من كل ذلك.

هناك مواطن معدم يبحث عن حل لمشكلة تتعلق بعدم حصوله على معونة من جهة رسمية، وهناك نائب سابق، يُعرف عنه أصلاً أنه يحاول منذ سنوات إيجاد الفرص لبعض الناس لإيصالهم إلى أبواب الحل، وهناك مسؤول في موقع يستطيع أن يستمع ويتابع ويوجه على غير عادة المسؤولين الذي كانوا بنفس الموقع، وهناك لحظة جمعت هؤلاء جميعاً أمام عدسة كاميرا أحدهم كان يتحينها أم جاءت مصادفة.

وقد يكون أبو فراس قد صنع الفرصة أو ساهم في صنعها، وهذه ليست تهمة في حد ذاتها. بل إن من يعرف العمل العام يدرك أن صناعة الفرص أمام أصحاب الحاجات هي جزء من الجهد الذي يبذله بعض النواب والوجهاء والشخصيات العامة، وقد يختلف الناس في تقييم هذا الأسلوب، لكن ذلك لا يجعل المواطن المحتاج مجرد تفصيل في معركة سياسية.

المسألة في جوهرها تتعلق بمواطن يبحث عن حل، وليس بمواطن يبحث عن صورة.

وإذا كان المطلوب أن نناقش كيف يحصل المواطن على المعونة، وهل هو مستحق لها، ولماذا لم يحصل عليها، فذلك هو النقاش الصحيح. أما أن نأخذ يده الممدودة ونحولها إلى قضية بروتوكولية، ثم نفتح منها أبواباً للهجوم على هذا الشخص أو ذاك، فنحن نكون قد ابتعدنا تماماً عن أصل الحكاية.

ثم إن علينا أن نكون صريحين مع أنفسنا.

لو أن أياً منا كان يدير حفلاً أو مناسبة فيها استقبال لضيف كبير، أياً كان موقعه، ألن يقوم باختيار وجهاء الناس وشخصيات المجتمع وأصحاب المواقع والجاه، ويضعهم في الصفوف الأولى؟ ألن يحرص على أن تكون الصورة مرتبة، وأن تكون المصافحات محسوبة، وأن يظهر المشهد بالصورة التي تليق بالمناسبة؟

بالطبع سيفعل.

وفي تلك اللحظة ستختفي حكاية أيمن وأمثاله تماماً.

ستظهر الصورة البروتوكولية المكتملة: مسؤول، ووجهاء، وشخصيات، ومصافحات، وابتسامات، وكل شيء في مكانه الصحيح.

لكن الذي استجد هنا أن يداً ممدودة من مواطن بسيط تجاوزت كل هذا الترتيب، ودخلت إلى الصورة من حيث لا ينبغي للصورة البروتوكولية أن تسمح لها بالدخول.

وهنا تحديداً تكمن أهمية اللقطة.

اليد لم تفضح البروتوكول بقدر ما فضحت الطابق الذي يقع خلف البروتوكول.

فضحت أن هناك مواطناً بسيطاً يريد أن يصل إلى مسؤول، وأن الناس لا يعيشون جميعاً في الصف نفسه، وأن خلف الوجوه التي اعتدنا أن نراها في المناسبات الرسمية وجوهاً أخرى لديها حاجات وشكاوى وقصص لا تصل دائماً إلى الصورة.

ولهذا فإن الذين انتقدوا المشهد ربما وجدوا ضالتهم في النقد، لأن الصورة قدمت لهم مادة جاهزة. بعضهم رأى فيها فرصة للحديث عن البروتوكول، وبعضهم وجد فيها فرصة للنيل من شخصية عامة، وبعضهم ربما رأى فيها بداية ترند يمكن استثماره لاحقاً.

لكن الشخص الذي جرى انتقاده لأنه صنع الفرصة، ربما كان ببساطة يكد لكي يصنع فرصة لمواطن لا يملك القدرة على صناعة فرصته بنفسه.

وهذه نقطة لا يجوز أن تضيع وسط الضجيج.

قد نختلف مع فواز الزعبي، وقد نختلف مع طريقته، وقد نناقش أدواره السياسية والعامة كما نشاء، لكن لا ينبغي أن نستخدم حاجة مواطن فقير لنثبت موقفاً مسبقاً منه.

فالعمل الحقيقي في مثل هذه الحالات ليس في أن نصنع من أحد بطلاً، ولا أن نصنع منه خصماً، وإنما أن نسأل: هل وصل المواطن إلى الحل الذي يبحث عنه؟

هل كانت حالته تستحق المعونة؟

إن كانت تستحق، فلماذا لم يحصل عليها؟

وإن لم تكن تستحق وفق المعايير، هل تم إبلاغه بذلك، وهل يعرف الطريق البديل الذي يمكن أن يسلكه؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُطرح.

أما العيسوي، فإن الرجل الذي اعتاد أن يكون قريباً من الناس في مناسباتهم واحتياجاتهم لا ينبغي أن نحاكمه من خلال لقطة واحدة، ولا أن نجعل مصافحة مواطن له دليلاً على خلل أو تجاوز. فجوهر فكرة العمل العام هو أن تكون الدولة قريبة من الناس، وأن يشعر المواطن بأن هناك من يسمعه.

وربما كانت هذه هي الصورة الأكثر صدقاً في المشهد كله: مسؤول يقف، ومواطن بسيط يحاول الوصول اليه.

المشكلة ليست في أن المواطن وصل.

المشكلة الحقيقية ستكون إذا أصبح وصول المواطن إلى حقه متوقفاً على أن يجد شخصاً يعرفه، أو نائباً يفتح له الباب، أو عدسة تلتقط يده وهي تمتد.

لأن الدولة التي نريدها هي التي لا يحتاج فيها المواطن إلى صناعة لقطة كي يُسمع صوته.

ولا يحتاج فيها الفقير إلى كشف فقره أمام الناس كي يثبت أنه محتاج.

ولا يحتاج فيها صاحب الحاجة إلى أن يصبح «ترند» حتى تتحرك قضيته.

ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لهذه القصة هو أن تتحول معاناة أيمن إلى مادة للمسترزقين بقصص المعدمين. هناك من يستطيع أن يبني من حكاية فقير منصة، ومن صورة محتاج معركة، ومن دمعة إنسان مادة للمشاهدات، ثم يخرج من كل ذلك منتصراً، بينما يبقى صاحب القصة في مكانه.

هذا تحديداً ما يجب ألا نسمح به.

لا ينبغي أن يربح أحد سياسياً أو إعلامياً أو على مواقع التواصل من حاجة أيمن.

إذا كان مستحقاً، فليأخذ حقه.

وإذا لم يكن مستحقاً، فليعرف السبب.

وإذا كان هناك خلل في آلية وصول المعونات إلى الناس، فلتكن هذه القصة مناسبة لفتح ذلك الملف، لا مناسبة لتصفية الحسابات.

أما اليد التي امتدت في الصورة، فلا أراها فضيحة.

أراها سؤالاً.

سؤالاً عن المواطن الذي لم يجد إلا تلك اللحظة ليصل.

وسؤالاً عن مجتمع ما زال الفقير فيه يحتاج إلى فرصة كي يصل إلى المسؤول، بينما يعرف أصحاب الوجاهة والمواقع طريقهم جيداً.

وسؤالاً عن صورة رسمية اعتدنا أن نراها مكتملة، حتى جاءت يد بسيطة لتخرج عن النص.

ولعل المفارقة أن الذين انشغلوا باليد لأنها تجاوزت البروتوكول، نسوا أنها ربما تجاوزت البروتوكول لأنها لم تكن تعرف البروتوكول أصلاً؛ كانت تعرف شيئاً واحداً فقط: أن أمامها إنساناً يمكن أن يسمع.

وهنا أظن أن علينا أن نكون أكثر إنصافاً.

لا مع فواز الزعبي، ولا مع يوسف العيسوي، ولا مع أي طرف في القصة.

بل مع أيمن نفسه.

فالرجل لا يحتاج منا إلى بطولة، ولا إلى شفقة، ولا إلى أن نجعله عنواناً لمعركة أحد.

يحتاج فقط إلى أن نعرف: هل له حق؟ وإن كان له حق، فليصل إليه.

وإذا كان في هذه الصورة درس، فهو ليس أن البروتوكول قد كُسر، وإنما أن يداً واحدة ممدودة استطاعت، ولو للحظة، أن تكشف ما وراء الصورة المرتبة: هناك دائماً مواطنون لا يقفون في الصفوف الأولى، لكن لديهم حاجات تستحق أن تُرى وتُسمع.

ولذلك ربما كان السؤال الأهم بعد كل هذا اللغط ليس: لماذا مد أيمن يده؟

بل: لماذا احتاج أيمن أصلاً إلى أن يمد يده؟

فهذه هي الحكاية التي تستحق أن تبقى، أما الصورة فستصبح غداً مجرد صورة أخرى.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :